لا يخفى على أحد أن الإعلام عادةً لا يصوّر الولايات المتحدة من الداخل، وخصوصاً أنّها لا تزال تعاني «لمسات» عنصرية تؤثر حتى في بنيانها الصمغي. من هنا، كان لا بد ــ وعلى نحو دائم ــ من «تنفيس» احتقان العرقيات.


ما نتحدّث عنه هذه المرّة هو مسلسل كوميدي (سيتكوم) شبيه بمسلسلات عُدت «رائدة» على الشاشات الأميركية مثل The Cosby Show مع الكوميديان الشهير بيل كوزبي (راجع الكادر)، وThe Fresh Prince of Bel-Air مع النجم ويل سميث. هذان العملان، وغيرهما، صوّرا «المجتمع الأسود» بصفاته وعاداته وتقاليده المختلفة عن تلك السائدة في المجتمع «الأميركي الأبيض».
يأتي اليوم مسلسل Black-ish (كتابة كينيا باريس، وجايمس غريفيثس) ليكمل تلك المسيرة، محققاً نجاحاً كبيراً على مختلف الأصعدة.
حققت الحلقتان الأوليان من المسلسل ضجة كبيرة خلال عرضهما على قناة abc، ضمن فترة العرض الرئيسية (Primetime). فترة تُعرض خلالها المسلسلات «الشديدة الأهمية فقط»، لكن الضجة لم تبدأ هنا، بل انطلقت قبل ذلك بكثير من خلال اسم المسلسل.
كثيرون ــ من الجانبين ــ اعترضوا على Black-ish. الأميركيون من أصل أفريقي وجدوا أنّ المسلسل «يعزلهم» ويرى أنّهم «يسكنون جزيرة خاصة» تبعدهم عن الانتماء إلى المجتمع بأكمله.
على الجانب الآخر، وجد «البيض» الاسم غير مناسب البتة، لأنّه لو كان اسم المسلسل White-ish لكان وُسم بالعنصرية الشديدة، ولعارضه الجميع، ومُنع من العرض، وهذا يقودنا إلى فكرة أنّ بعض الأمور مقبولة لدى المجتمع طالما أنّها أتت من وجهة نظر «إثنية».
أما بعد عرض المسلسل، فكانت الاعتراضات، وإن خفتت بعض الشيء، تشير إلى أنّ «المشكلات» التي يقدّمها المسلسل بطريقة كوميدية هي مشكلات «حقيقية»، وذات تأثير «حقيقي» على المجتمع، برغم أنّ تناولها بهذا الشكل قد يكون نوعاً من «الاستخفاف» غير المطلوب أو المقبول.
تدور قصة المسلسل حول عائلةً أميركية من أصل أفريقي تسعى إلى التقدّم والتطوّر في مجتمع يسيطر عليه «البيض». إنّها مشكلة «اللون» و«العرق» قبل أي شيء آخر، وخصوصاً لدى الطبقات الوسطى التي تسعى إلى التطوّر والتحرّك صعوداً في سلّم اجتماعي مبرمجٍ بدقة للسماح لـ«أعراق» معيّنة بالتطوّر فحسب.
أندريه جونسون أو كما يُعرف بـ«دراي» (يؤدي دوره الممثل أنطوني أندرسون) رب عائلة يعمل مديراً إعلانياً في شركة كبيرة، ويطمح لكي يصبح أوّل نائب مدير من أصل أفريقي. يفتخر «دراي» بأصوله الأفريقية، كما أنّه تعبير صادق عن «الأميركي الأسود» الذي يعتز بالمثل العليا التي تمثّل هذا المجتمع: مالكوم أكس، والقبضة السوداء، والفهود السود؛ ويعدّها جزءاً من بناء ثقافته.
صحيح أنّ المسلسل كوميدي ــ كما هو واضح ــ إلا أنّه يعتمد على «الصراحة» التي تجعل الكوميديا هنا «قاسيةً»، لكن واقعية بالمقدار المطلوب.
في الحلقة الأولى، يطلب أندريه جونيور (إبن بطل المسلسل) أن يعتنق اليهودية. الصدمة تكون قاسيةً إلى حد كبير، فيبرّر الشاب الصغير بأنّه يريد أن يفعل ذلك لأنّه يريد أن يكون مثل أصدقائه «اليهود». هنا، تُطرح أسئلة على شاكلة: ما الفوارق بين العرقين؟ بين الأعراق عموماً؟ كيف يمكن شرح أنّك «أسود» لفتى صغير يتحوّل إلى شاب؟ وكيف يمكن ذلك من دون طرح إشكالية كبيرة، تزامناً مع المحافظة على الكوميديا المطلوبة كي يستمر المسلسل ويحافظ على هدفه؟
يضم المسلسل نجوماً يعشقهم كلّ الأميركيين تقريباً؛ فأنطوني أندرسون (1970) أحد أهم الممثلين الأميركيين الكوميديين في العصر الحالي. قدّم الأخير أفلاماً كثيرة يذكر الجمهور منها Transformers، وscream 4، فضلاً عن مسلسلات مثل The Bernie mac show، وAll About the Andersons حيث يمتاز النجم الممتلئ صحة بقدرته على تجسيد الكوميديا بوجهه (مذكراً بأساليب الكوميديا الأولى كتجارب إسماعيل ياسين مثلاً).
أما ترايسي إيليس روس (1971) التي عرفها الجمهور بدورها في مسلسل Girlfiends، فتؤدي دور زوجته «راينبو»، وهي تمتلك المقدرة التمثيلية نفسها من خلال وجهها المعبّر وعينيها اللتين تكادان تخرجان من محجريهما بمجرّد أنّ تقرّر أن تجعل الكوميديا دافقة وممتعة.
إلى جانت أنطوني وترايسي، هناك ماركوس شرايبر (في دور دراي جونيور)، ويارا شهيدي في دور ابنتهما الصغيرة «زوي». يذكر أنّ يارا من أب إيراني وتجيد التحدّث بطلاقة بلغتها الأم. أما الإضافة المهمّة، فهي وجود النجم لورانس فيشبورن (نجم ثلاثية «مايتريكس» الشهيرة) في شخصية والد دراي (جدّ العائلة)، في دور صغير نسبةً إلى نجم كبير، لكنه يمثل إضافة مهمة بلا شك.




The Cosby Show



The Cosby Show هو سيتكوم أميركي بطولة الكوميديان الشهير بيل كوسبي (1937 ــ الصورة). المسلسل بقي على الهواء على مدى ثمانية مواسم متتالية على شاشة nbc الأميركية، من 20 أيلول (سبتمبر) 1984 إلى 30 نيسان (أبريل) 1992. يتمحور العمل حول «هاكستابل»، وهي عائلة أفريقية ــ أميركية تنتمي إلى الطبقة الوسطى وتعيش في حي بروكلين في مدينة نيويورك. ووفقاً لـTV Guide، يعد The Cosby Show أنجح المسلسلات التلفزيونية في ثمانينيات القرن الماضي، فيما رأت مجلةEntertainment Weekly أنّه مهّد الطريق أمام أعمال أخرى بطواقم عمل من أصول أفريقية بحتة مثلIn Living Color ،The Fresh Prince of Bel.