ركَضَ الوقت، وبقي بحر بيروت مكانه. حتى المدينة التي أغرتها الساعات ذات نهار في بداية التسعينيات، راحت تلهث خلف «دبي» جديدة. هل كان أحد يتوقع أن خيال بحر بيروت سينحسر يوماً بمجموعة يخوت لامعة مصطفة فيه؟ هل هذه النهاية العبثية مناسبة لحكاية الشاطئ؟ إنها مجرّد نوستالجيات، لأن ما كان في بحر بيروت ما زال مكانه، حتى الآن على الأقل. ولعل مبالغتنا في الإحباط أحياناً، تحجبه عن أعيننا.


هذه الحقيقة سترافقنا طوال معرض هدى قساطلي الجديد «في البدء كانت بيروي» الذي تحتضنه «غاليري أليس مغبغب» حتى 10 تشرين الأوّل (أكتوبر). بعدما رافقت زوال بيوت العاصمة في «بيروت: أيقونات غياب» وفي «جمال ودمار»، ووثقت للشاحنات وأكسسواراتها في «الشاحنات المرسومة في لبنان اليوم»، ها هي الفوتوغرافية اللبنانية تنصرف عن الممارسات الإنسانية، نحو التوثيق للطبيعة؛ بحر بيروت، بالتعاون مع الباحثة اللبنانية نجاة نعيمة ناصيف.
ثمّة ما يميّز صور المعرض (صغيرة الحجم) التي التقطتها هدى قساطلي على شواطئ الرملة البيضاء والدالية والروشة. قدّمت قساطلي طرحاً مجرّداً لبحر بيروت، وهذا ما بدا لافتاً، في الوقت الذي تُهدَّد فيه شواطئه بالردم. جرّدت البحر من الوقت ومن المدينة الحالية، التي لولاه لبدت مجرّد صخرة ثقيلة. تجنّبت إقحام اللقطات المكرورة لهجوم الأبنية الطويلة على البحر، أو تلك التناقضات البديهية التي كأنها هي المبرّر للحفاظ على البحر. هنا الشواطئ لا تحتاج إلى مبرر لحمايتها، تقطع قساطلي هذا منذ البداية، وتعمل طوال المعرض على استعادة صورة الشاطئ الأولى الذي ولدت فيه أفروديت.
تلك الملامح النضرة والمكتملة والجميلة هي الصورة الأصل للمدينة التي تصف ناصيف «ملحمتها بأساطير التكوين»، وسمت أفروديت ابنتها «بيروي» أي بيروت على اسمها. إلى جانب هذا النص، تطالعنا أبيات للشاعر اليوناني ننوس من «ملحمة بيروت الميمونة» تمنح الصور طابعاً أسطورياً، كأن اللقطات بدت أحياناً قصيدة بصرية رديفة لقصيدته.

منحت البحر طابعاً أسطورياً
من خلال استعادة ملاحم
وقصائد قديمة

اعتمدت قساطلي على لقطات «كلوز آب» وكادرات ضيقة، فانحسرت العناصر تقريباً بالنبات والصخر والشمس والكائنات الحية. هكذا، بدت مجرّد تنويعات على لقطة واحدة. أما جمود اللقطات، وتماهيها مع المنحى العلمي أو الترويجي السياحي أحياناً، فإنه لا يسقط الحميمية عن البحر. مثلاً التقريب على فعل عادي كارتطام الماء بالصخور في مشاهد قد تبدو مثالية بعض الشيء، هو ما يخلق الشعور بفقدانها وزوالها طوال الوقت. تعمّدت قساطلي تضخيم التفاصيل الصغيرة والعادية. مثلاً صارت الصورة المقرّبة لسمكة، مع الخلفية الصخرية أشبه بالأسماك المتحجرة التراثية. هكذا رصدت خصوصية شواطئ بيروت التي لم تتغيّر؛ رسومات صخوره ومتاهاتها، ولون المياه والورد الذي ينبت فيه ووجوه زواره. هذه الخصوصية تنسحب على علاقة الناس بالمكان أيضاً. التقطت قساطلي تلك العلاقة البدائية والمباشرة عبر الممارسات البشرية العفوية مع البحر كالسباحة، والتأمل، والصيد. أما الحضور غير المباشر للكائنات الحية، فقد تمثل في تلك الخيم الخشبية على بحر الدالية، المصنوعة من عناصر طبيعية. عملت قساطلي على تضخيم الأشياء، وعناصر البحر لتترك لدينا أثراً بالرهبة من التفاصيل العادية التي يخفيها عنا صخب المدينة. تعوّل في جزء كبير من الصور على جهلنا بالشاطئ، وتحديداً في بعض اللقطات التي تختفي فيها الخلفية المدينية، ليخسر المشهد هويته الزمانية والمكانية. وبما أنها تغاضت عن «الحاضر» عبر تغييب الشق العمراني الحديث، فقد بدا ذلك النص البحثي الذي يسترجع الماضي مقحماً في المعرض، ومخالفاً لتوجه قساطلي في صورها. فقد منح النص البحر طابعاً أسطورياً، بينما حرصت على تجريده من كل مبررات أو مسببات وجوده والحفاظ عليه. لدى دخولك المعرض، تطالعك صورة واحدة بحجم كبير يستثنيها عن باقي الأعمال. اللقطة التي تظهر مكعبات اسمنتية عملاقة تحجب عنا رؤية البحر، قبل أن ترتمي فيه وتحجبه فعلياً، هي نقطة البداية والنهاية. هي مصير البحر، ومصير كل لقطات الصور. كأنها تحذّرك: من الأفضل لك أن لا تصدّق ما ستراه في الداخل.

«في البدء كانت بيروي» لهدى قساطلي: حتى 10 تشرين الأول (أكتوبر) ـــ غاليري «أليس مغبغب» (الأشرفية) للاستعلام: 01/204984