«ما رأيكم لو أعدنا إحياء فكرة البرنامج الأمني؟». السؤال طرحه الإعلامي رياض طوق على رئيس مجلس إدارة الـ «أم. تي. في» ميشال المرّ عام 2012. السبب «أنني كنت منذ عام 2009، أسمع عن نية لإعداد برنامج قائم على مواكبة العمليات الأمنية»، يقول طوق. رحبت القناة بالطرح، ووفرت الوسائل اللوجستية المطلوبة، ومنحت «رجل الأمن المدني» مهلة سنة ليجمع خلالها المعطيات، ويعود «بالجرم المشهود». هاجس المرّ الوحيد «كان عدم القدرة على تأمين مواد كافية، لكنه وافق لأنه جريء إلى حدّ التهور». لن تكون هذه المرّة الأولى التي يعمل فيها طوق على مادّة أمنية، إلا أن هذا البرنامج سيخلق له هويّة إعلامية لم يقدر أحد ــ حتى الساعة ــ على منافسته فيها. ابن الـ31 عاماً تمكّن من «بناء قلعتي وليس بإمكان أحد زعزعة قواعدها»، إلا أن ذلك لا يمنع التساؤل عن «مربى الدلال»، الذي تخصه به القوى الأمنية وانتقاد اختصاصيين لخرق البرنامج حقوق الإنسان.
رياض طوق هو «ابن بشرّي»، البلدة الشمالية التي «يتشرّب» أبناؤها طباعها القاسية. التقاليد الريفية لديهم «مقدسّة»، تماماً كما كل معلم وفصل من تاريخ منطقتهم. «أنا لست بشراوياً فقط على الهويّة»، يوضح طوق بتلك اللكنة الصلبة التي لم تتمكن سنواته العديدة في بيروت من محوها. نجل رئيس بلدية بشرّي الحالي أنطوان طوق، «تمرّد» في سنواته المراهقة على والده، الذي ساهم في بلورة الشخصية اليسارية للعديد من أبناء المنطقة، بينهم اليوم سياسيون وصحافيون. «عملت يمينياً متطرفاً نكاية بوالدي الذي كان ينتمي إلى اليسار. أردت أن أتماهى مع مجتمعي». لا يُنكر أنّ «أستاذ أنطوان» أثرّ في شخصيته، «لكنني لا أملك صفاته». وبرغم أنّه كان ناشطاً مع القوات اللبنانية في «جامعة الحكمة» التي تخرّج منها بشهادة الحقوق والعلوم السياسية، إلا أنّ ذلك لم يمنع «بروز نزعة يسارية خاصة في حينه». تأثر بجورج ناصيف ووضاح شرارة وسمير قصير «الذي أُعجبت بشجاعته أكثر من فكره السياسي».
بعض الزملاء في محطته يلقبونه بـ «ستارسكي»، نسبة إلى فيلم Starsky & Hutch الذي يسرد قصّة شرطيين ودودين يطاردان المجرمين، إلا أنّ رياض، الذي يرتدي اللون الأسود و«الكاسكيت» معظم الوقت، لا يحبه الجميع: «أترك انطباعاً بأنني متعجرف». وصول طوق، مثلا، إلى أحد المقاهي لا يكون بصورة طبيعية. ستشاهد مشهداً «هوليوودياً»: رجال في «القمصان السود» يترجلون من سيارة سوداء، يفتحون الباب ويؤمنون الحماية حتى يصل طوق إلى مقعده، ثمّ يختفون. كلّ ذلك «لأن لديّ أعداء. الكثيرون يحمّلونني مسؤولية التحريض عليهم أو على بيئاتهم». بالنسبة إليه، «إبراز القوة أهم من استخدامها. لا أريد أن يظنّ أحد أن بامكانه التعرض لي وعندئذ أكون، مكرهاً على خلق ثأر شخصي».

برنامجنا قدّم التوعية للشباب في إطار تشويقي (ر. ط)

وصوله إلى الإعلام كان مصادفة. تعرف إلى الصحافي والكاتب محمد أبي سمرا «الذي طلب مني كتابة مقال عن زعامة آل فرنجية السياسية». بين «النهار» ومواقع الـ «ناو»، «شفاف الشرق الأوسط»، «الكلمة أونلاين»، تنقل طوق قبل أن يتعرف عام 2008 إلى الصحافي فيصل سلمان ويطلب منه الإنضمام إلى المشروع التلفزيوني الجديد، في حينه، «المستقبل». في المحطة «الحريرية»، عمل مع الاعلامي نديم قطيش في برنامجه Studio 24 على تقارير خاصة، «لم أكن أعرف كيف أُعدّ التقارير، فالتطورات حصلت في أقل من عام». يبتسم حين يتذكر كيف مارس مستشار رئيس مجلس إدارة الـ Mtv موفق حرب الضغط على قطيش: «هيدا (طوق) صحافي منيح. إما بتعطوه حقه وإما باخدو معي على واشنطن».
البداية في قناة المرّ كانت مع برنامج «تحقيق» ومعدته كلود أبو ناضر هندي التي «وثقت بي. تمكنت من أن أفرض نفسي في القناة»، إلا أن ذلك لم يكفه، «قدمت استقالتي لأعد أفلاماً وثائقية، لقنوات عربية، لها طابع أمني. يستهويني هذا المجال». رغب في العودة إلى لبنان مع بداية تفكيك شبكات الموساد، فأعجبه عمل رئيس فرع المعلومات اللواء وسام الحسن «حاولت أن أعمل حول هذا الموضوع. نشأت علاقة مع المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، ومن بعده تعرفت إلى ضباط فرع المعلومات ومكتب مكافحة المخدرات».
«أبلسة قوى الأمن، التي سُجلّت ضدّها ممارسات قمعية عديدة ضد ناشطين ومتظاهرين ومواطنين، في الإعلام» استفزت طوق. «لديهم أخطاء مثل أي جهاز وأنا أنتقدهم في مجالسي، لكن في برنامجي أريد أن أرى النصف الملآن من الكأس». تمكن من إقناع قوى الأمن ومن حينه «شاركت مع وحدة الشرطة القضائية في 420 مداهمة ذات علاقة بالأمن الجنائي». هل أنت عنصر استخبارات مدني؟ «أنا أشبه بشيرلوك هولمز». يرفض طوق اتهامه بالارتهان لقوى الأمن: «أنا لست صحافياً سياسياً، لأستغل هذه العلاقات لتوظيفها في السياسة. الصبغة الأمنية لا تزعجني لأن عملي تحول إلى قناعة». أما الانتقادات المهنية التي وُجهت إلى البرنامج، فقد «أتت من متفلسفين لا من الرأي العام»، علماً أنّ هؤلاء كانوا أصحاب اختصاص! يرى طوق أنّ «الخطأ الوحيد الذي سقط سهواً هو صوت الفتيات اللواتي ألقي القبض عليهنّ وهن يمارسن الدعارة واعتذرت عنه».
أما عن ظروف العمل، وخاصة في ضاحية بيروت الجنوبية، «الموسومة» بأن حزب الله يُسيطر عليها أمنياً، فيجيب: «صحيح، لكنه لا يضع فيتو على أي عملية مداهمة. عناصره حاضرون للمؤازرة». يختلف هذا الوضع في البقاع «لأنّ الحزب لا يريد أن يدخل في مواجهة مع العشائر».
تفرّده في تقديم هذا النوع من البرنامج، سمح بألّا «تولد غيرة مع زملائي. على العكس، أنا أقدم إليهم التسهيلات في عملهم». يرى أن المراسل حسين خريس يُشبهه، «أنا معجب بعمله المختص بالجهاديين وأدافع عنه». بعد مرور ثلاثة مواسم من «بالجرم المشهود»، يجزم طوق بأنّه «لا منافس لنا. بعضهم حاول وفشل، عامل الثقة بيني وبين القوى الأمنية يؤدي دوراً كبيراً». بالنسبة إليه «أسسنا مدرسة. برنامجنا يُقدم التوعية للشباب في إطار تشويقي». انطلاقاً من هنا، «نحن في القناة في صدد بناء قسم أمني يضم صحافيين وخبراء. سنكون منفتحين على كل الأجهزة الأمنية ونتمنى التعاون مع الجميع».

* «بالجرم المشهود» ابتداءً من شهر آذار (مارس) على mtv