اللاذقية | الطريق إلى «وادي قنديل» في اللاذقية محفوف بطبيعة لافتة رغم الامتداد العمراني للمدينة. هذا المشوار ما زال ممكناً بعد سنوات الحرب، بل أصبح مفضّلاً لدى كثير من السوريّين صيفاً. هنا، يحطّ المخرج باسل الخطيب (1962) الرحال لبضعة أيام خلال تصوير فيلمه الروائي الجديد «أهل الشمس». قام بكتابة السيناريو بنفسه، فيما تصدّت «المؤسسة العامّة للسينما» لإنتاجه.


«اللوكيشن» خليّة نحل لا تتوقف بين نهر وبحر وغابة. مدير الإنتاج باسل عبد الله يطمئن إلى سير الأمور. مدير الإضاءة جمال مطر ومهندس الديكور وائل أبو عيّاش ومهندس الصوت محمّد هاشم يعملون بهمّة. الخطيب يحدّثنا عن الشريط، فيما يعطي تعليماته بخصوص المشهد الليلي الذي تستعدّ له كاريس بشار وميسون أبو أسعد. «هذا استكمال لثلاثية سينمائية عن المرأة السوريّة في زمن الحرب. بدأنا العمل عليها بفيلم «مريم» (2012، 109 د، إنتاج «المؤسسة العامة للسينما» وشركة «جوى»)، تلاه «الأم» (لم يُعرض بعد ـ إنتاج المؤسسة العامة للسينما)». يقول الخطيب لـ«الأخبار»، مستطرداً: «المرأة المرتبطة بأنبل القيم الإنسانية، والقادرة على مواجهة المصاعب، والتضحية في سبيل مبادئها. في «مريم»، كنّا أمام حكاية ملحمية وبنية زمنية معقّدة تمتد على ثلاث حقب. «الأم» اقترح قصة بسيطة تجمع الأبناء بسبب مرض أمّهم. أمّا «أهل الشمس» فيحمل الكثير من التشويق والأحداث المتلاحقة».

يميل إلى نصّ بعنوان «حرائر» لعنود الخالد

«ريما» (كاريس بشار) مصوّرة صحافية تغطّي الأحداث في المناطق الساخنة. ذاكرتها مثقلة بما كابدته خلال رحلة مضنية تقودها إلى زينة (ميسون أبو أسعد) ويوسف (محمود نصر). يرصد الفيلم يوسف الذي ينتقم من أشخاص معينين وحبّه لزينة التي تستعد للموت بقرار ما، وعلاقته بوالده المسن (رفيق سبيعي) وصديق عمره «عزّام» (محمد حداقي). بحثه عن أعدائه وتنقّله بين القرى والمغارات. كل ذلك يخلق البنية ويصنع الأحداث. الجغرافيا غير محدّدة بدقّة، إلا أنّها شاهد على قرارات الشخوص وتحوّلاتهم. يشارك في الفيلم أيضاً كل من: جابر جوخدار، علاء القاسم، وائل زيدان وغفران خضور.
إذاً، يبدو أنّ حضور الرجل أكبر هذه المرة. يوافقنا الخطيب، ليجيب عن السؤال: هل يشجّع الشريط على الانتقام وأخذ الحق بعيداً عن السلطة والقانون؟ يوضح: «إنها إشكالية قديمة تتعلّق بعلاقة الإنسان بالقانون وتحقيق العدالة. هذا الرجل مدفوع بعاطفته تجاه وطنه ومن بقي من عائلته. سعيه لتطبيق العدالة بيديه يتطلّب ثمناً باهظاً في النهاية. نحن لا ندين ولا نتبنّى، بل نرصد مسار شخص أقدم على فعل ضمن مسوّغات درامية وإنسانيّة. على المستوى العام، القانون حاضر بالتأكيد. سيظهر ذلك خلال الفيلم». بعد طرح إنساني بأسلوب شاعري لا يخلو من التعبيرية في الفيلمين السابقين، هل يقدّم «أهل الشمس» جرعة مركّزة من العنف؟ هل تتطلّب مواجهة الهمجية توحّشاً مقابلاً؟ يجيب الخطيب: «المعركة مع الإرهاب مفتوحة ومصيريّة. العمل العسكري المباشر سلاح. ذهاب الموظفين إلى أعمالهم والأطفال إلى مدارسهم سلاح آخر لا يقلّ تأثيراً. كذلك إنجاز الأفلام وتفاعل المجتمع مع بعضه. تحدّي اليوم صار مصيرياً».
بعد روائي «الرسالة الأخيرة» (2000 ـ 114 د، إنتاج «الشام الدولية»)، صام باسل الخطيب 11 عاماً عن السينما، ليعود بثلاثة أفلام متتالية. بم يفسّر ذلك؟ هل أخذ الوقت الكافي للتفكّر بالشريط تلو الآخر؟ يقول: «لا شكّ في أنّ الفيلم تجربة صعبة تتطلّب كثيراً من التفكير والتحضير. في كل مسلسلاتي، كانت عيني دائماً على السينما. حاولت تقديم ملامح منها في التلفزيون. فكرة «مريم» ظلّت تراودني لعشر سنوات، ولكن نفسياً، لم أكن مستعدّاً لخوض المشروع. مع بداية الأحداث، ونظراً إلى المسخرة التلفزيونية التي نراها اليوم، قرّرت أنّ العودة إلى السينما باتت ضرورية. الفيلم باق بوجهة نظره، فيما المسلسل يُنسى مع الأيام وتوالي الأعمال». السياق يقودنا إلى النبش في نتاج الرجل. هل صحيح أنّه يعمل من دون مدير تصوير متخصّص، مفضّلاً الاعتماد على مدير إضاءة ومصوّر وخيارات التصحيح في العمليات الفنية اللاحقة (بوست برودكشن)؟ يقول: «هذا غير صحيح. يعمل معي جمال مطر كمدير إضاءة وتصوير. هو تلميذ أسماء كبيرة مثل الراحل هشام المالح، وعمره في الدراما السوريّة أكثر من 20 عاماً. أكبر دليل على ذلك حصوله على إحدى الجوائز الثلاث التي نالها «مريم» في «مهرجان مسقط السينمائي» الأخير. بالنسبة إلى «البوست برودكشن»، لا يمكن تحقيق نتيجة منه ما لم يكن أساس التصوير صحيحاً ودقيقاً». نسأل عن التداخل اللوني الملحوظ والتوليف الذي رأى فيه بعضهم نوعاً من «الكليباتية» في «مريم». يقول: «تباين الألوان جاء مقصوداً بما ينسجم مع كل حقبة زمنيّة. بالنسبة إلى التوليف، أجده واحداً من ميّزات الفيلم، وأعتقد أنّه جديد على السينما السوريّة. من الطبيعي أن يثير أيّ عمل فنيّ ردود فعل مختلفة».
بعد تجربة طويلة، ما الذي جلب الخطيب من التلفزيون إلى السينما؟ يفكّر قليلاً ثم يجيب: «الخبرة المتراكمة، والمرونة في التعامل مع المشاكل أثناء التصوير. في المقابل، كان عليّ التخلّص ممّا علق من آلية التفكير التلفزيونية، بدءاً من الكتابة وانتهاءً بتقطيع المشاهد. هنا، ألتزم بالورق تماماً على عكس التلفزيون. أحاول التحضير ما أمكن قبل الأكشن الأول». نعلّق بأنّه جلب نجومه أيضاً، فيرد: «لكلّ مخرج مجموعة يرتاح للتعامل معها. ملاءمة الممثّل للدور هو المعيار الأوّل بالتأكيد. في «أهل الشمس»، حاولت التعاون مع أسماء جديدة مثل كاريس بشار والأستاذ رفيق سبيعي الذي يعود إلى السينما بعد انقطاع طويل». هل كان هذا سهلاً تحت سقف الأجور المعروف في «المؤسسة العامة للسينما»؟ يقول: «بكل صراحة ووضوح، هم عملوا من أجلي. هذا يشمل بعض الفنيّين أيضاً. تعرفة المؤسسة لم تعد منطقية في الوضع الاقتصادي الراهن. طرحتُ الأمر على الإدارة، وسيتمّ البحث فيه». في فلك الشراكات أيضاً، ماذا عن عمله مع شقيقه تليد وزوجته الناقدة والكاتبة ديانا جبّور؟ يبيّن: «تليد كان معي في سيناريو «مريم». افتقدتُ وجوده في ما بعد. رغم انشغاله، يقرأ تليد النسخة الأخيرة من النص ويقدّم اقتراحاته. زوجتي ديانا شريكتي حياتياً وفنياً. هي المستشارة الدرامية في «أهل الشمس» و«مريم»، فيما تولّى الاستشارة في «الأم» نبيل صالح». ماذا بعد «أهل الشمس»؟ يجيب الخطيب: «لا شيء واضح سينمائياً. في التلفزيون، أقرأ نصّين ينبشان في التاريخ السوري، أحدهما بعنوان «حرائر» لعنود الخالد. قد يكون هو مسلسلي المقبل».




تاركوفسكي والآخرون

تخرّج باسل الخطيب من المعهد العالي للسينما في موسكو عام 1987. نسخة بوندرتشوك عن «الحرب والسلام» (1966) نسجت وعيه السينمائي. تاركوفسكي حضر بقوّة خلال فترة الدراسة. لاحقاً، أعجب كثيراً بريدلي سكوت وسكورسيزي وتارنتينو. يقول: «يتوهّجون كلما تقدّموا في العمر، على عكس الكثير من مخرجينا الذين يصابون بالترهّل. الجمهور داخل في حساباتهم كذلك. منذ «الرسالة الأخيرة»، حاولت التوجّه للجمهور، مع عدم تقديم تنازلات فنية. شعرتُ بالفرح عندما رأيت تفاعل البسطاء مع «مريم» في الصالة».