يطلق المحافظون في إيران تسمية «تيار الفتنة» على ناشطي التيار الإصلاحي الذين رفضوا نتائج الانتخابات الإيرانية عام 2009. ويضم التيار سينمائيين نبذتهم المؤسسات السينمائية الرسمية وأقصتهم عن امتيازاتها. وقد تزامنت عودة الإصلاحيين إلى الحكم مع عودة «مثيري الفتنة» من المخرجين المشاغبين إلى واجهة الحدث السينمائي عبر مشاركة أفلامهم في المهرجانات الدولية المرموقة، من دون أن يتعرضوا للمساءلة والمضايقة.


البداية كانت مع فيلم «لست غاضباً» للمخرج الإيراني رضا درميشان الذي مثّل إيران في الدورة الأخيرة من «مهرجان برلين السينمائي»، ووصفته صحافة التيار الأصولي المتشدد بــ «المسوّغ لتيار الفتنة».
الاعتراضات نفسها طاولت المخرجة الإيرانية رخشان بني اعتماد التي شاركت في المسابقة الرسمية في «مهرجان البندقية» هذه السنة، بفيلم «حكايات» حاصدة جائزة أفضل سيناريو.

عرض «لست غاضباً» الذي
يتناول الفترة التي تلت فوز أحمدي نجاد
لم يعد السينمائيون المستقلون الإصلاحيون في مواجهة مع مقص الرقيب كما في السنوات الفائتة. لقد أعادت «وزارة الثقافة والإرشاد» الاعتبار إلى السينما المستقلة حينما أعادت افتتاح دار السينما الذي أغلق لسنوات على أيدي المتشددين في عهد الرئيس السابق أحمدي نجاد. وفيما يعتبر السينمائيون أن ما حصلوا عليه مع وصول الرئيس المعتدل حسن روحاني إلى الحكم ما هي إلا حقوق لا امتيازات، يرى التيار الأصولي أن الحكومة الجديدة منحت الضوء الأخضر لعودة «تيار الفتنة» من الشاشة الكبيرة. «لست غاضباً» الذي يتناول حياة الشباب الإيراني خلال فترة الاعتراض على فوز أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية عام 2009، كان سبباً لإثارة جدل واسع بين وزير الثقافة علي جنتي وأعضاء اللجنة الثقافية في البرلمان الإيراني. شدد البرلمانيون على حذف مقاطع من الفيلم، بينما جاء ردّ جنتي بعد اللقاء مباشرة بمنح العمل رخصة قانونية للعرض في صالات السينما.
هكذا، احتدم النقاش مجدداً تحت قبة البرلمان، وهو نقاش كان له أن يكون أكثر متعة لو أن البرلمانيين شاهدوا الشريط قبل مناقشته على حد تعبير الصحافة. بالنسبة إلى عدد كبير من السينمائيين المستقلين، تدور المعركة على ساحتين: واحدة تحت قبة البرلمان، وأخرى على أبواب صالات السينما. من جهة أخرى، لا يمكن صالات السينما الإيرانية أن تكون حكراً على أفلام تحظى بتأييد التيار المتشدد، فالسينمائيون المستقلون ملّوا من انتشار أفلامهم على الأقراص المدمجة. ومع منح «لست غاضباً» ترخيصاً للعرض في الصالات الإيرانية، ربح تيار السينما المستقلة جولة في معركته مع الرقابة، بينما خسر جانب آخر مع الموافقة على حذف 20 دقيقة تتعلق بمشاهد إشكالية في الشريط.
ورغم ذلك، لا تزال المعركة مستمرة مع مطالبة المتشددين داخل البرلمان وخارجه بمنع الفيلم من العرض.
وجوهر الإشكال يكمن في أن مقص الرقابة بيد حكومة إصلاحية تعتبر حرية السينمائيين في تناول القضايا المجتمعية كافة ضمن صلب مشروعها في مجال الثقافة والفن، لكنها مرغمة على تقديم التنازلات لمنع وصول هذه الملفات الإشكالية إلى السلطة القضائية التي تميل إلى
المحافظين.