غزة | ليس كافياً أن ترزح القدس تحت سيف التهويد والتحولات الديموغرافية كي يصحو الإعلام العربي من كبوته. بين برودة في التعامل مع كرة النار التي تدحرجت إلى القدس منذ أيام، وانسياق تام وراء روايات العدو وتبني قاموسه اللغوي، تشكّلت هوّية معظم وسائل الإعلام العربية في تغطية ما يعصف بالقدس. «العربية» مثلاً انفطر قلبها على المتطرّف الصهيوني الحاخام يهودا غليك المعروف بقيامه بالاقتحامات الاستفزازية للمسجد الأقصى ودعوته لقتل الفلسطينيين بعدما ثأر الشهيد المقدسي معتز حجازي لمدينته المذبوحة وأطلق 4 رصاصات تجاه غليك استقرّت في جسده.


كالعادة، قلبت هذه المحطة الحقائق ولعبت على وتر «المظلوميّة» لغليك، محاولةً التخفيف من حدّة الحنق تجاه المتطرفين الصهاينة. أضفت المحطة السعودية طابع «التمسكن» وشحذ عواطف العالم على أخبارها المرتبطة بالمتطرّف غليك. برعت في استحداث توصيفات «إنسانية» إزاءه، فهو لا يعدو كونه «ناشطاً إسرائيلياً يروّج لحملة تطالب بالسماح لليهود بالصلاة في المجمع المقدس لدى المسلمين واليهود». هكذا، أُزيحت الاقتحامات المتكرّرة للأقصى عن واجهة «العربية» واستبدلت بـ»حملة ترويجية للسماح بالصلاة». كما استحال «الحرم القدسي الشريف»، وفقاً لعرف المحطة «مجمعاً مقدّساً» يمتلك المسلمين واليهود الأحقيّة التاريخية والدينية للصلاة فيه.

تميّزت «الميادين» بمواكبة حيّة ذات نفس ثوري بارز

أمام هذا الانحياز الفاضح للقاتل، لم تكلّف القناة خاطرها لتسلّط الضوء على الشهيد حجازي، ولم تشفع دماؤه المسكوبة على سطح منزله في القدس، بعدما قتله العدوّ هناك بدم بارد، لتمنحه لقب «شهيد» بدلاً من «قتيل». لم تتوقّف عند هذا الحدّ. تمادت في وقاحتها بالتنصل من مسؤوليتها تجاه تبني مصطلح «اقتحامات»، كأنّها تبرّئ نفسها من تجريم الاقتحامات الصهيونية. هكذا، حصرت ذلك المصطلح بين مزدوجين في تقريرٍ لمراسلها زياد حلبي المنشور على موقعها الإلكتروني، قائلةً: «سمحت الشرطة الإسرائيلية باستئناف «اقتحامات» المستوطنين لباحات الحرم القدسي». وعزفت المحطة أوركسترا النواح على قتلى عملية الدهس التي نفّذها المقدسي عبد الرحمن الشلودي رداً على جريمة دهس المستوطنين للطفلة إيناس شوكت خليل. أمّا غريمتها القطرية «الجزيرة»، فلم تقع هذه المرّة في تلك السقطات. حافظت نسبيّاً على تغطية معقولة للأحداث المشتعلة في القدس، وإن كانت خجولةً بعض الشيء مقارنةً بالمساحة الواسعة التي تُفرد للحرب السورية. «الميادين» تميّزت بالمواكبة الحيّة لما يجري في القدس بنفس ثوري بارز، لكن تبقى المشكلة في صبغ القضية المقدسية بطابع خبري آني بعيدٍ من النبش في أبعاد الحرب الوجودية التي تشنّ ضد الإنسان المقدسي من إجباره على هدم «شقاء عمره» بيده واعتقاله والتنكيل به. هذه المسألة تنسحب أيضاً على الإعلام الفلسطيني الذي يرى في القدس قضيةً موسميّة لا تستأهل تفعيلها دوماً في صحفه وشاشاته بهدف تشريحها والغوص في مخططات العدو لأسرلة المدينة وتفريغها من أهلها. كما أنّ الإعلام المحلي يعاني من اختزال القضية المقدسية في ما يتعرّض له المسجد الأقصى. ويُعزى هذا الاختزال المضطرب إلى تحريك الغرائز والعواطف الدينية للمنظومة الإعلاميّة الفلسطينية.
غربيّاً، اتفقت BBC و»غارديان» و»الجزيرة الإنكليزية» و»رويترز» على أن المتطرّف غليك مجرّد «ناشط أميركي إسرائيلي ينادي بالسماح لليهود بالصلاة في الأقصى». وحاولت «رويترز» تشويه صورة الشهيد حجازي عبر اختلاق تصريحات لجار الشهيد بالقول: «حجازي يفتعل المشاكل والأزمات في الحي، وكان يُفترض أن يُقتل قبل 10 سنوات». على خطٍ موازٍ، ما زال وسم #القدس_عربية يجتاح مواقع التواصل الاجتماعي ويشهد تفاعلاً عابراً للحدود الجغرافيّة بعد إطلاقه الخميس المنصرم تزامناً مع تشييع الشهيد حجازي. يهدف المغردون من هذه الحملة الإلكترونية المفتوحة زمنيّاً إلى إبقاء القضية المقدسية متّقدة في أذهان الجميع. ويوظّف هؤلاء أدوات عدة لتحقيق ذلك، أهمها الصور التي تحكي تاريخ المدينة وحاضرها بما فيها البلدة القديمة، إضافةً إلى الإنفوغرافيك لتوثيق الأرقام والإحصاءات المرتبطة بالبكتيريا الاستيطانية وتهويد القدس. كما تسلّلت الأغنيات الثورية ومقاطع الفيديو القصيرة التي تدور حول القدس والاعتداءات الممنهجة ضدها إلى جدران الناشطين. وسط هذا النشاط الإلكتروني، يبقى السؤال: هل هذه الحملات كافية لصمود القدس وحيدةً أمام النسيان... والنيران؟