الرباط | يبدو أن سوق المطبوعات الورقية الأسبوعية لم تعد مُغرية بما يكفي للمستثمرين في سوق الصحافة المغربية. معطى أكّده خبر تصفية مشروع جديد في المغرب نهاية الأسبوع الماضي. إذ أعلنت مجموعة «إيديت هولدينغ» الشركة الناشرة لمجلة «الآن» الأسبوعية إيقاف المجلة. وعزت المجموعة قرارها إلى التراجع في سوق القراءة في المغرب خلال السنة الحالية، وارتفاع تكاليف الطبع والتوزيع والتراجع على مستوى المداخيل. في المقابل، أعلنت المجموعة أنها ستركّز جهودها على تطوير الموقع الإخباري التابع للمجموعة «360.كوم» بنسختيه العربية والفرنسية.


وكان القرار مفاجئاً للوسط الإعلامي، خصوصاً أن الخط التحريري للمجلة كان يساير التوجّهات العامة ولم يكن يخرق الخطوط الحمر المعروفة في الصحافة المغربية. واتُّهمت إدارة تحرير المجلة باتخاذها موقفاً مهادناً ومؤيداً للسلطة. لكن هذا الإعلان عن نهاية التجربة كان منتظراً في أوساط العاملين في المجلة منذ حوالى أسبوع، عندما أعلنت إدارة المجلة تعيين مدير تحرير المجلة يوسف ججيلي مديراً مسؤولاً عن موقع «360.كوم» (www.le360.ma/ar).
المبرّرات التي استندت إليها «إيديت هولدينغ» بعيدة من إقناع المتتبعين للمشهد الإعلامي. المساهمون الجدد اشتروا أسهم المجلة وأسهم الموقع الإلكتروني قبل ثمانية أشهر، مُعلنين توحيد المشروعين في «هولدينغ» إعلامي يهدف إلى تكوين مجموعة تخلق التكامل بين وسيلتين إعلاميتين تتبنى الخط التحريري نفسه، ليفاجئوا لاحقاً الجميع بتصفية تجربة المجلة الورقية. هذا الأمر يجعلنا أمام تفسيرين لهذا الإجراء: إما أنّ المساهمين لم يكونوا على دراية بطبيعة سوق الصحافة الورقية، وهو أمر يصعب تصورّه بالنظر إلى هوية الأسماء المستثمرة، خصوصاً أن أحد المساهمين عزيز الداكي مقرّب من منير الماجيدي السكرتير الخاص للملك محمد السادس. أما الاحتمال الثاني فهو أنّ شراء أسهم «الآن» كان بنيّة إنهاء التجربة لأسباب أخرى، وهو ما يرجّحه كثيرون، خصوصاً أن هناك سوابق مشابهة عرفها تاريخ الصحافة المغربية.
وكانت مجلة «الآن» انطلقت عام 2012 بكوكبة من خيرة الصحافيين. جمعت بين أسماء شابة وأخرى تملك خبرة وأعلنت في ذلك الوقت أنها ذات صوت «حداثي» معارض للإسلاميين الذين كانوا قد وصلوا للتو إلى ترؤس الحكومة في المغرب. ولم تستطع المجلة الوفاء بوعدها بالتركيز على الصحافة الاستقصائية في ملفاتها الرئيسة واتجهت في الفترة الأخيرة إلى مواضيع تاريخية وترفيهية وخفيفة، ما يمكن إرجاعه إلى إكراهات البيع وأهواء القارئ الذي لم تعد تغريه العناوين الجادة. مع ذلك، فإن القارئ المغربي سيحتفظ في ذاكرته بفرادة التحقيقات التي أنجزها منير أبو المعالي بحرفية عالية عن مافيا تجارة المخدرات أو الجهاديين الذين يصدّرهم الشمال المغربي إلى سوريا أو الشهادات المزورة للوزراء، والمقالات الرزينة التي تبسط تعقيدات المشهد الاقتصادي التي كتبها مصطفى أزوكاح بأناقة قلّ نظيرها.
هكذا، يظهر مشهد إغلاق المطبوعات في المغرب كأنه صورة معادة لصالح انتعاش سوق المواقع الإلكترونية، وسط توقعات بانهيار تجارب أخرى. ويبدي المساهمون في قطاع الإعلام توجساً من الاستثمار في المشاريع الورقية باستثناء الاستثمارات التي تقف وراءها أطراف حزبية أو جهات مرتبطة بمراكز القرار. قبل حوالى سنة، أعلن مسؤولو مجلة «هسبريس» توقيف المجلة الورقية بسبب الخسائر المالية والاكتفاء بالموقع الإلكتروني الذي يعتبر الأكثر قراءة في المغرب. وسبق ذلك توقيف مجلتي «أوال» و»نيشان». ويأتي التوقيف الحزين لـ «الآن» ليزيد التساؤلات عن المستقبل السوداوي الذي ينتظر الصحافة الورقية المستقلة في المغرب.