غزة | لا يمكن أن تكون الأحداث الملتهبة في القدس المحتلة مادة للسخرية والنكات السمجة. لم ينجح الإعلام العربي في الإضاءة على قضايا القدس من الزاوية الصحيحة. انجرّت المؤسسات الإعلامية أخيراً وراء صفحات أطلقها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان «داعس» مع شعار «باقية وتتمدّد».

يحيلنا هذا العنوان الساذج بديهياً على تنظيم «داعش» الإرهابي. قد تبدو هذه الصفحات رد فعل عفوياً فَرِحاً بدوس الاحتلال تحت سيارات المقدسيين. لكن خلافاً للمعايير المهنية الإعلامية، تبنّت الكثير من وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية هذه الظاهرة، وراحت تقارن بين «داعش» الإرهابي و«داعس» الفلسطيني.

صحيحٌ أنّه لا يمكن تجاهل فورة «داعس» الإلكترونية إعلامياً، خصوصاً أنّها انتشرت كالنار في الهشيم على فايسبوك وتويتر. لكن تغطية هذا الموضوع تحوّلت إلى محرّك أساسي في هذه الفورة بسذاجة مفرطة. مثلاً، ألقت وكالة «معاً» الفلسطينية في أحد تقاريرها «محاضرات» عن الفروقات بين «داعش» و«داعس»، وآلية تصحيح البوصلة، فكتبت: «بعدما أصبحت «داعش» البعبع الذي يلوّح به الغرب الاستعماري لينفّذ مشاريعه في الوطن العربي، خرجت «داعس» الفلسطينية لتصحّح البوصلة نحو فلسطين والمسجد الأقصى بعد انحرافها، لتقول للجميع إن فلسطين هي الأولى بكل هذا الاهتمام والتضحية».

اختارت «القدس العربي» عنواناً يحمل نفحة تهكّمية على حساب المقاومة


وبدلاً من التوقّف عند الأسباب التي دفعت المقدسيين إلى خلق أدوات اشتباك جديدة مع العدو، كقمع الرئيس الفلسطيني محمود عباس للانتفاضة المسلحة، عمد الإعلام إلى تسطيح القضية المقدسية.
في هذا السياق، عنونت صحيفة «القدس العربي» اللندنية تقرير مراسلها فادي أبو سعدى بـ«حرب «داعس» تشتعل في الأراضي الفلسطينية». إذاً، اختارت الصحيفة عنواناً نارياً يحمل نفحة تهكّمية على حساب المقاومة، بهدف استقطاب القراء وحصد اللايكات. لم تنته «المهزلة» الإعلاميّة عند هذا الحد، بل أسقطت وسائل الإعلام مصطلحات وثيقة بـ«داعش» مثل «البيعة» و«باقية وتتمدّد» على المعركة الوجودية التي يخوضها المقدسيون ضد العدو الصهيوني.
«أعلن عدد من الناشطين البيعة لتنظيم «داعس» بعد عمليتَيْن متتاليتين لدهس جنود ومستوطنين إسرائيليين في القدس والخليل». عبارة كتبتها «دنيا الوطن» التي تعتبر من أهم الوكالات الإخبارية الفلسطينية، قبل أن تكرّ السبحة. كذلك، تبّنت قناة lbci اللبنانية مصطلح «حملة داعس» في تقرير لمراسلتها آمال شحادة، إذ ذكرت أنّ هناك «قلقاً إسرائيلياً من حملة داعس الفلسطينية». كما اصطادت وكالتا «الصحافة الفرنسية» و«الأناضول» التركيّة فرصة تدشين الصفحات الافتراضية لخدش صورة المقاومة وربطها بـ«داعش»، مستشهدتين بكلام بعض الناشطين الذين قالوا: «ما أقرب داعس من القدس، وما أبعد داعش عنها»، و«داعس في الحق، وداعش في الباطل». الحال نفسها تنسحب على صحف «معاريف» و«يديعوت أحرنوت» و«هآرتس» العبرية.
هكذا، تجلّى الكسل والتراخي الإعلامي في أبهى صوره. وبدلاً من تقديم مواد تُخرج القضية الفلسطينية من دائرة التهميش والتنميط، سارعت الشاشات والصحف إلى ربطها بأكثر النماذج وحشيةً على وجه الأرض اليوم!