امرأة في منتصف الأربعين. قليلاً ما سمعنا اسمها خلال العرض. كل ما نعرفه عنها أنّ لها زوجاً مهندساً سيستلم نيشاناً ما ولها ولدان يصعب رصد عمرهما أيضاً. «من الآخر» عرض على حافة المونودراما يقدم لنا امرأة ربما فقدت كل شيء إلا مخاوفها من التقدم في العمر واستهزاء زوجها بها وبعض الذكريات التي تعيد لها قليلاً من الفرح بين الحين والآخر: فرح يأتي بنوستالجيا تتوقف مفاعيله مجدداً عند حافة بكاء محتمل.


هذا العرض الذي تقدمه الممثلة، والكاتبة والمخرجة والإيمائية عايدة صبرا نقل حكاياه من خشبة «مترو المدينة» (شباط ٢٠١٤) الى الخشبة الصغيرة في «مسرح مونو». لتلك النقلة إلى هذا الفضاء الصغير، تأثيرها في عناصر العرض بحيث بدت السينوغرافيا والاكسسوارت المعتمدة أكثر حضوراً ودلالة وبروزاً كما اكتسب الأداء بعداً يتعدى الكوميديا في النص، فكان الجانب الميلودرامي أكثر حضوراً.
على خشبة «مونو» الصغيرة، باب خشبي قديم «تخانق» خلفه امرأة زوجها عن حاجتها لدقائق إضافية كي ترافقه الى حفل تسلم جائزته. يتركها ويمشي. تدخل عايدة صبرا الخشبة/ المنزل وتقفل الباب بعنف لتدلو بدلوها بعدما نعتها بالـ «ختيارة»: المونولوجات التي تتخذ غالباً قالباً كوميدياً، تتنوّع بين تلك التي تتحدث عن العلاقة الزوجية وتعنيف الزوج المعنوي لها واستهزائه الدائم بعدم جدواها رغم اهتمامها بكل قضايا المنزل مع مرور سريع على ممارسة الجنس الذي تصفه بالـ «تكعيبي»، وتلك التي تهاجم فيها أخت الزوجة المنعوتة بالـ»بقرة» الحاضرة أحياناً كونها تعاني من وزن زائد، وكون زوج البطلة يتغزل بأخته وبقوامها معظم الوقت. كل تلك الحكايا رُبطت بشكل متماسك وإن دلت تلك الرزمة من الحكايا على شيء، فهو عدم اقتصار العرض على سرد حكايا امرأة تعاني من فشل أو فتور في علاقتها الزوجية فقط.

النص ممتع وزاخر بالتفاصيل اليومية المحكمة بترابطها


الأمر يتعدى ذلك: تلك المرأة التي تبحث طوال العرض عن فستان ترتديه لتلحق بزوجها في حفل تسلّم جائزته تعاني من فراغ وجودي. قدمت كل شيء لعائلتها ولم تقدم شيئاً لنفسها. يستنبط المشاهد أنها هي التي تعاني من أزمة الخمسين وليس الموضوع بتاتاً «جهلة زوجها الخمسينية». تشك البطلة أحياناً في أنّ زوجها يخونها ثم تتراجع عن ذلك. تحاول استذكار الأيام الجميلة التي ما تلبث أن تكتشف أنها وزوجها ساهما سوية في جعلها فائقة الروتينية، كما لو أنّ كل مشاهد الحب تلك حولاها مع الوقت الى فيلم مصري قديم مفرط في شاعريته ويبعد شيئاً فشيئاً من معيوشهما. العرض لا يتحدث عن طبخة الزواج التي توشك أن تحترق بقدر ما يتحدث عن امرأة مزعزعة المعالم وما زالت تدعي أنها قوية. تلك «البطلة الماراتونية في تحويش تفاصيل صغيرة وكبيرة [من حياتها] ومن بيوت الناس كما لو أنها لصّة تتجسّس على حياتهم» تخفي هشاشتها عبر كل هذا السرد. هشاشة أنثى فقدت ثقتها بنفسها. هشاشة امرأة تخاف تجاعيد وجهها ويرعبها نعت «الختيارة».
تميز العرض بمنحى هزلي (burlesque) في الأداء المنقح بلمسات تحيلنا على مشاهد الرسوم المتحركة الكرتونية: هذا التضخيم في المواقف من خلال استخدام الاكسسوارات أسهم في إضفاء جمالية على النص، وعلى أداء عايدة صبرا الذي كان جميلاً رغم بعض التشنج أحياناً. إلا أن تلك الجمالية لم تصل في بعض الأماكن الى ذروتها. يحتاج هذا الاستخدام للأداء الكرتوني الى بعض «الدوزنة»: يجب أن نعرف كيف نبرزه وأين. كما أن أداء الممثلين كان أقرب إلى الأداء الجسماني منه الى تقمص حركات وكودات كرتونية واصلة إلى أقصى حدودها. كذلك، يحتاج استخدام هذا الأداء الكرتوني الى تمتين ودقة في استعمال اللحظات الموسيقية في سياق العرض. تبقى الإشارة إلى دلالة السينوغرافيا المستخدمة خلال العرض: مجموعة من مكعبات «الروبيك» (مكعب ذو ألوان متعددة يجب أن نوحد ألوان حدوده المربعة الستة Rubik›s Cube) التي فقدت وحدة ألوانها، ما يذكر المشاهد بالجنس التكعيبي الآنف الذكر ويحيله أيضاً على استحالة وجود حلول. كما لو أن المشاهد تحول عبر تلك السينوغرافيا الى طفل يبحث من خلال تلك المكعبات عن مخرج لعلاقة تلك المرأة مع ذاتها أولاً، ومع حياتها الزوجية ثانياً من دون الوصول «من الآخر» الى نهاية حتمية.

* «من الآخر»: حتى 30 تشرين الثاني (نوفمبر) ـ «مسرح مونو» (الأشرفية) ـ للاستعلام: 01/218078 ـ 01/421870




سيرينا شامي وإيلي نجيم

في مسرحية «من الآخر»، ساعد في إبراز ضعف البطلة كامرأة وجود الممثلين سيرينا شامي وإيلي نجيم اللذين لعبا أدواراً عدة منها دور ولدي البطلة، ودور الصديقتين اللتين إما تعرضتا لخيانة الزوج أو لتحرش أحد المتزوجين أو المثقفين بهما. والأهم أنّ هاتين الشخصيتين لعبتا الدور الأهم في حياة البطلة الداخلية: في أكثر من حدث في العرض، لعبتا دور الرادع الداخلي العقلاني أو النفسي لتلك البطلة، تمنعانها من الهجوم على زوجها. وفي أحيان أخرى، كانتا هذا الصوت الداخلي الذي يحفز البطلة على تأجيج هجومها غير المبرر على أخت الزوج على سبيل المثال لا الحصر. كان النص الذي أمتعتنا به عايدة صبرا زاخراً بالتفاصيل اليومية المحكمة بترابطها وباستخدام عبارات شعبية مبتكرة لم نسمع بها من قبل.