باريس | تقف بطلات أميرة جيهان خلف الله على حافة العالم، لكنها حافة مصنوعة من السخرية والخفة في عرض «الملاءات». تصير الملاءة هنا استعارة لكل أشياء الحياة: «الحايك»، ثوب الزواج، الكفن، بينما يصير فعل الحياكة، مرادفاً لتدبر الحياة وأشيائها. حبيبة المختلة نفسياً تواجه أشياء العالم بالضحك، وتعيش مع اختها بالتبني ليلى ووالدتها مليكة في منطقة مهمشة ويصارعن من أجل البقاء. تملك حبيبة القدرة على النظر إلى مستقبلها وترى عريسها الأعرج قادماً بثبات نحوها. ثقة حبيبة في زواجها من رجل أعرج تثير استغراب الأم والأخت، لكنها تصير الحبكة التي ستخلق القصة التي تصنفها خلف الله بـ «الهزل التراجيدي».


«الملاءات» مسرحية عن نساء قد يعتقد الواحد للوهلة الأولى أنهن ينتمين إلى منطقة الكاتبة المسرحية. لكنهن يمثلن بنات جنسهن في كل العالم، فتصير العزلة والزواج والموت وأشياء أخرى مشتركة بين النساء أينما كن، حيث تزيد مشاركة ممثلين أوروبيين من هذا البعد الكوني. وهذا ما تأكده الكاتبة الجزائرية لـ «الأخبار»: «بإمكان المسرحية أن تحدث في أي بلد وأي زمن لعدم ارتباطها بمعالم مكانية وزمانية واضحة، بل تنفتح على الثقافة الإنسانية أساساً خصوصاً في المجتمعات ذات البيئة المحافظة، حيث المرأة تعتمد ذكاءها لمواجهة السلطة الذكورية». هكذا تستطيع المرأة أن تلجأ إلى كل الحيل للانتصار على سلطة الرجل في المجتمع التي يمثلها القاضي في المسرحية.

شاركت في «مهرجان المسرح العربي المعاصر في مرسيليا»
نساء جيهان خلف الله يعمدن إلى اتخاذ كل السبل من ادعاء للغباء والحيلة والذكاء والوقاحة أحياناً للحصول على مبتغاهن.
اختتمت المسرحية في المغرب بعد عروض في مدن فرنسية عدّة. وكانت قد اختيرت ضمن فعاليات «مهرجان المسرح العربي المعاصر في مرسيليا» الذي نظم في مناسبة «مرسيليا عاصمة الثقافة الأوروبية». العرض كتبته خلف الله، وأخرجته نادية فونديرهايدن، ويؤديه ممثلون فرنسيون، وهذا ما يعطيه قدرة أكبر على الانفتاح على جمهور أوسع.
تعمل جيهان خلف الله صحافية في المغرب الذي تستقر فيه منذ 2007 بعدما درست علم الأحياء. تهتم كتابتها كثيراً بعالمي النساء والطفولة، حيث كتبت أكثر من عمل حولهما أهمها مسرحية «اضطرابات في التشيلو» التي عملت سنوات عليها كي تنهيها، خصوصاً أنها كتبت في ظروف الحرب الأهلية في الجزائر، وتحكي أيضاً قصة نساء يعشن الواقع المضطرب لبلدهن. تعترف الكاتبة أن هذه المرحلة كانت صعبة: «كانت كتابة معذبة. عاشت الكثير من التوقف والمعاناة، ولم أستطع إكمالها نهائياً إلا بعد الحرب. كان علي أن أغض الطرف عن الأحداث الدموية التي تحدث حولي، كي أتابع كتاباتي هرباً من الواقع المرير». كتبت جيهان خلف الله أيضاً لمسرح الدمى «شمس وأسماك الصحراء»، بينما تعمل على مسرحية منشغلة بثيمة أثيرة عليها وهي الفقدان، وعنوانها «مايلة مدينة البرتقال». حصلت خلف الله على العديد من الإقامات الأدبية المرموقة لكتابة المسرح في فرنسا منذ مسرحيتها الأولى «شقائق النعمان» (2005) التي طورتها في إطار الإقامة المسرحية «فرنكفونيات ليموج» وحصلت على إشادة ومنح متعددة.