القاهرة | تُختتم مساء اليوم الدورة الـ36 من «مهرجان القاهرة السينمائي الدولي» بعد 9 أيام من الأنشطة والتظاهرات المختلفة، وبعض الانتقادات التي تركزت على الفوضى التنظيمية. مع ذلك، لا أحد يستطيع أن ينكر الجهد المبذول من الناقد سمير فريد، وإدارة المهرجان للخروج بهذه الدورة، بشكل يليق باسم «مهرجان القاهرة» الذي أصيب بانتكاسة حقيقية في السنوات الأربع الماضية.


الواقع يؤكد عودة الوجه الثقافي للمهرجان، ما انعكس إيجاباً في عودة الجمهور ومحبي السينما إلى أروقة دار الأوبرا ومسارحها التي احتضنت فعاليات المهرجان، متنقلين بين العروض، والندوات، والحلقات البحثية، وحفلات توقيع الكتب التي أصدرها المهرجان وبلغ عددها 13 عن صناع الفن السابع والإنتاجات السينمائية المتميزة...
شهدت الدورة تنافساً خلاقاً كشف عن ولادة مواهب إبداعية جديدة في السينما المصرية والعربية كالمصريين كريم حنفي (باب الوداع) وإبراهيم البطوط وأحمد عبد الله والأردني ناجي أبو نوار (ذيب) والفلسطينية نجوى نجار والإماراتي علي مصطفى. والمفارقة أنّ بعض التجارب العربية المشاركة في المهرجان حملت حساً تجارياً، في حين شهدنا تجارب مصرية مالت إلى التجديد والخيارات الفنية الجريئة التي خاصمتها هوليوود الشرق لزمن طويل.
رغم أن إبراهيم البطوط هو الأب الروحي للسينما المستقلة في مصر، أعطى دفعة قوية لكثير من التجارب التي تختلف عن السينما التجارية والتيار السائد، إلا أن فيلمه الجديد «القط» الذي يؤدي بطولته عمرو واكد والمخضرم فاروق الفيشاوي مع الوجه الجديد سلمى ياقوت ومنتج الفيلم صلاح الحنفي، جاء بعيداً من تجارب البطوط السابقة. يحكي العمل قصة رجل عصابة يعرف بـ»القط» يكتشف الأعمال القذرة لإحدى العصابات، وما تفعله من خطف لأطفال الشوارع والتجارة بأعضائهم. حاول إبراهيم أن يضفي على قصته الواقعية مناخاً أسطورياً، يؤرخ لمفهوم الشر في الحضارات الإنسانية. وظف أيضاً العديد من الأغاني الدينية (الذكر) والتراتيل والترانيم في شريط صوت متميز، ليؤكد حالة التغييب تلك، كأن هؤلاء اكتفوا بـ»الذكر» والتراتيل وغابوا عن محاربة الشر المسيطر. لكن ما جدوى تقديم صورة بصرية ثرية، وكاميرا شديدة الحيوية، وشريط صوتي متميز في ظل غياب الدراما الحقيقية، وأداء تمثيلي فج جاء أقرب إلى «الكليشيه»؟

يعد «ديكور»
من أنضج أعمال
أحمد عبد الله

أما أحمد عبد الله الذي عرض فيلمه «ديكور» ضمن تظاهرة «عروض خاصة»، فخاض في منطقة جديدة عليه بعد فيلمه «فرش وغطا» الذي أثار جدالاً حوله. في «ديكور»، يحلّق السينمائي المصري ليس فقط على مستوى الشكل البصري بل في طريقة السرد أيضاً. الفيلم الذي صوِّر بالأبيض والأسود، هو احتفاء بالسينما وبزمن الأبيض والأسود. تدور أحداثه حول مها التي تعشق السينما، وتعمل مهندسة ديكور، وأصبحت خبيرة في خلق العوالم الخيالية. تمرّ بضغوط شديدة في العمل حيث تشتغل في أحد أفلام المقاولات من أجل لقمة العيش ليس إلا، فيما ترضخ لضغط زوجها بعدم الإنجاب. هنا، تبدأ مها في تخيل نفسها مكان بطلة الفيلم المتسلطة التي لا تنصاع لأحد سوى رغبتها وتجد نفسها متنقلة بين عالمين يمثلهما شريف الزوج ومصطفى العاشق الذي رفضته. تتبدل الألعاب الدرامية ليحل الزوج الحقيقي مكان العشيق، والعكس ويتداخل العالمان على الشاشة أحدهما بمواصفات ديكور الفيلم الذي تعمل فيه، والآخر يُفترض أنه الواقع. مع الوقت، تتوغل مها بين العالمين حتى تختلط الأمور بين الواقعي والمتخيَّل، إلى درجة تجعل المشاهد يقع في حيرة لبعض الوقت أمام تلك البطلة عاشقة الأبيض والأسود وتحديداً أفلام فاتن حمامة.
يعد «ديكور» من أنضج تجارب أحمد عبد الله وأكثرها اتساقاً على المستوى الدرامي والبصري. يؤدي بطولته خالد أبو النجا الذي جسد شخصية شريف في أحد أفضل أدواره، والنجم الموهوب ماجد الكدواني في دور مصطفى، وحورية فرغلي التي بدت في حال أفضل عن آخر أعمالها «التجارية»، وشارك فيه إبراهيم البطوط في دور المخرج الذي يتخلى عن أحلامه ويقدم فيلم «سوق».
ومن منطق التجديد نفسه، اختار المخرج الشاب كريم حنفي خوض تحدٍ كبير في تجربته الأولى من خلال فيلمه «باب الوداع» الذي يمثل مصر في المسابقة الدولية. يحمل الشريط حالة خاصة من الشجن والحنين ويناقش إشكالية الوجود والحزن الذي يأكل الروح عندما يستسلم له الإنسان. ينطلق من وجهة نظر فلسفية وأسئلة حول الموت والحياة. جرأة كريم في تلك التجربة أنه استغنى عن الحوار كاملاً وقدم فيلمه معتمداً على تعبيرات الممثلين المشاركين باستثناء جملة حوارية واحدة تعبر عن الصوت الداخلي للطفل الذي صار شاباً يرغب في التحرر من مخاوف الأم التي صارت تكبل روحه هو الآخر، وهي: «أنت يا من كنت هنا، ستكون في كل مكان». ويبدو أن هذا الابن المطارد لا يستطيع أن يبدأ رحلته، لأنه يصارع شعوراً بالذنب تجاه أمه الحزينة التي عاشت سجينة حزنها وذبولها ومنزلها الخاوي الخالي من الدفء والروح.