أصدرت «دار أركان» اللبنانية أخيراً كتاب «هراهير» للرسام البلجيكي فيليب غلوك (1954)، حيث تولت لارا رباح مهمة تعريبه عن اللغة الفرنسية، مازجةً اللغة الفصحى ببعض العامية اللبنانية. يتألف الكتاب من رسوماتٍ «مقطعية» من الكوميكس محورها شخصية اخترعها الرسام البلجيكي اسمها «الهر» (Le Chat). هو اللابطل anti-hero يعاقر الواقع على طريقته الخاصة ويسخر منه إلى حدودٍ مطلقة. هرّ ممتلئٌ القوام، بأنفٍ كبير (على عادة الكوميديانيين الكلاسيكيين) يعرّي كل شيء. هكذا باختصار يمكن وصف كتاب «هراهير». غلوك صاحب شخصية Le Chat التي أبصرت النور عام 1983 يأتي من بلاد الكوميكس الأوروبية الأشهر: بلجيكا. إنها بلاد هيرجيه (مخترع شخصية «تان تان») وبيار كلفورد (مخترع السنافر)؛ حيث كل شيءٍ يبدو جميلاً على شكل شرائط كوميكس (Comic Stripes).


قبل الولوج في الكتاب بحدِّ ذاته، لا يمكن بالتأكيد فصل تجربة فيليب غلوك عن ثقافة الـ»بانديسينيه» (الكوميكس الأوروبية) السائدة في بلجيكا. الوسط بحد ذاته يعجُ بالتجارب الناجحة لا محلياً فحسب، بل عالمياً أيضاً. كما أنّ ثقافة المجتمع الأساسية تعتبر «الكوميكس» وشخصياته جزءاً من الحياة اليومية. بالتالي، فإنّ خلق الشخصية وتأثرها بالمحيط وتفاعلها معه ليس أمراً غريباً. في الوقت والإطار عينهما، لا يمكن نسيان شخصية «الهر غارفيلد» (Garfield) الأميركية الشهيرة للرسام جيم ديفيز التي تمتاز بشبهٍ «فاقع» مع شخصية غلوك «الهر». هما أولاً هران، يتشابهان بعض الشيء في شخصيتيهما، (وإن أنشأ ديفيز شخصيته قبل خمس سنوات من شخصية غلوك) ولو تفوّق «هر» غلوك لناحية سخريته المريرة على «غارفيلد» الذي مال إلى «التجسّد» والتأنسن. يمتلك غارفيلد صفات محددة بدقة (يحب اللازانيا، يكره أيام الاثنين) فيما هرّ غلوك ساخر دوماً من دون صفاتٍ دقيقة تلامسه.
وبالعودة إلى كتاب «هراهير»؛ تجب الإشارة منذ البداية إلى أن التجربة تستحق التقدير. ذلك أن الوسط العربي يفتقد بشكلٍ حقيقي لأعمال الكوميكس التي تلامس المشاهد (سواء الصامتة أو المتكلمة). بعد تجاربٍ متطورة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مع نجوم حقيقيين مثل الفلسطيني ناجي العلي (مع شخصيته حنظلة) والمصري جورج بهجوري (مع شخصيته بهاجيجيو) تعرض هذا الفن لاحقاً لانتكاسة بسبب غياب التراكم والاستمرارية بعد رحيل ناجي المبكر وابتعاد بهجوري منه.
ظل مقتصراً على بعض التجارب مثل مجلة «السمندل» في لبنان أو بعض «المقاطع» المنتشرة هنا وهناك في غير صحيفةٍ عربية. لذلك، تأتي تجربة «أركان» كنوعٍ من «التقدير» والاستكمال لتلك التجارب ولو عبر الاستعانة برسوم أجنبية. تعيد هذه التجربة «طرق» باب الكوميكس وإدخاله إلى وسطٍ عربي بعيد عن هذا الفن الذي يعتبر واحداً من أهم «عوالم» الثقافة الحالية عالمياً.

يتخذ ملامح اللابطل anti-hero الذي يعاقر الواقع على طريقته
يكفي مثلاً الإشارة إلى أن داري «دي سي» و»مارفل» تنتجان أسبوعياً أكثر من 50 مطبوعة كوميكس ورقية (أي بمعدّل سبع مجلات يومياً لهاتين الدارين وحدهما)؛ فضلاً عن الأفلام/ المسلسلات المأخوذة عن الكوميكس (شكلت الأفلام المقتبسة عن الكوميكس العام الماضي ما نسبته 42 في المئة من مجمل أفلام العام).
يأتي الكتاب على شكل «مقاطعٍ» صورية تروي حكماً أو رؤىً معينة للشخصية «الهر». إنه يسخر من كل شيء، يتناول أي شيءٍ «معتاد» ليخرجه عن اعتياده. كل الجمل حمّالة لألف معنى. يمكن تعرية كل اللحظات وتركيبها بحسب ما يحتاج القارئ لا الشخصية فحسب. إنها متعة أن تشارك في صنع الفكرة لا مجرد قراءتها.
القارئ هو «شريك» الرسام/ الشخصية بشكلٍ مباشر. إنك لا تقرأ فقط، بل تشعر بأن «الهر» هو أنت في كل اللحظات. نقرأ مثلاً أنّ الهر يريد المشاركة في حفلةٍ تنكرية حيث الجميع ـــ بحسب كلامه ــ سيرتدي شخصية المغفّل كقناع. يذهب ليجد أن الجميع يضع قناع وجهه! أو نشاهد الهر حاملاً مضرب التنس فيسأله مذيعٌ تلفزيوني ببراءة: هل تفضّل «الحشيش» الطبيعي أم «العشب الصناعي» في إشارة إلى نوعين من الأرض تمارس عليها رياضة التنس. يجيب ببراءة المتلقي البسيطة: «لم أدخن العشب الصناعي يوماً».
الإضحاك سمةُ طاغية في أعمال غلوك التي تمرر أيضاً نقدها لظواهر اجتماعية واقتصادية هي سمة عصرنا، ولهذا السبب هي قادرة على مخاطبة الجميع. مثلاً، نلتقط إحدى الرسومات الصامتة في الكتاب حيث عائلةٌ بكاملها مع حيواناتها الأليفة وصورها المعلّقة على الحائط كلّها ترتدي وجهاً واحداً باسماً بكل بلاهة في نقد مباشر للمجتمع الاستهلاكي. الفكرة نفسها قابلة للتأويل باتجاهات مختلفة: هل هناك شيءٌ مخيفٌ أكثر من هذا التشابه في مجتمعات تفرض عليك أن تكون «عبداً» للتقاليد وقواعد «المقبول»؟ لكن الذروة التي يلمسها هر غلوك تأتي على شكلٍ أكثر بساطة حين يسأل بأنّ هناك صوت ضحك مسجّلاً كلما تفوه أحد بفكرة مضحكة في المسلسلات البريطانية الكوميدية، فلِمَ لا نقوم بالأمر عينه هنا؟ الذروة خبيئةٌ هنا في لحظةٍ تبادل الرسام الدور مع قرائه. إنه لا يختزل دورهم، بل يريدهم جزءاً من الفكرة: الضحك ليس المقصود الأوّل والأخير. المشاركة هي الهدف، فأي كان يستطيع الضحك، ويستطيع الابتسام، لكن ليس أيٌّ كان يشارك بالفكرة وما خلفها؛ إنها دعوة فيليب غلوك للتفكير!




بساطة الشكل

يعدّ فيليب غلوك واحداً من اهم فناني الكاريكاتور/ الكوميكس في العالم اليوم، وخصوصاً في أوروبا. يعتبر من رسامي «البانديسينيه» (أي الكوميكس الأوروبية لأنها تختلف عن الأنواع الأخرى من الكوميكس كالأميركية، والمانغا اليابانية) فهو بلا منافسٍ تقريباً حالياً وخصوصاً مع شخصيته «الهر» (Le Chat). غلوك وهره جزء لا يتجزأ من الثقافة «الحديثة» للكوميكس الأوروبي. وبحسب النقاد، فالهر الرمادي ذو الأنف الكبير، شخصية ناقدة «متفلسفة» بعيدة كل البعد من «البساطة» الشكلية التي رسمه بها غلوك.