تنطلق الليلة الدورة 23 من «مهرجان البستان» تحت عنوان «حلم ليلة شتاء» المستوحى من عملٍ شهيرٍ للأديب الإنكليزي وِليَم شكسبير مع استبدال الـ«صيف» بالـ«شتاء»، على اعتبار أنّ المهرجان اللبناني يقام في فصل البرد. بعبارة أخرى، محور هذه الدورة هو شكسبير (1564 ـــ 1616). لماذا؟ الجواب المختصر والمفيد هو: لأنها المئوية الرابعة لرحيله. لكن، ألا يمكن للجواب المفصّل أن يكون مفيداً ــ جداً ربما ــ أحياناً؟ بلى، وهو التالي: إذا أردنا وضع لائحة بالمؤلفين (الكلاسيكيين الغربيين حصراً) الذين يستحقون أن تسمّى دورة مهرجان موسيقى كلاسيكية باسمهم، يمكن الجزم بأن أقدمهم سيكون مولوداً في النصف الثاني من القرن السابع عشر وبأن أجددهم سيكون متوفى في الربع الأول من القرن العشرين. عندها، وكوننا في 2016، نجد أن لا أحد كبيراً في هذه اللائحة مولود عام 1666 (3 قرون ونصف قرن) أو مولود أو متوفى عام 1716 (3 قرون) أو عام 1766 (قرنان ونصف قرن) أو عام 1816 (قرنان) أو 1866 (قرن ونصف قرن) أو متوفّى عام 1916 (قرن واحد). في الأعوام التي يكون فيها الأمر كذلك (أي لا ذكرى لافتة لشخصية مهمة)، تتوجه المهرجانات التي تبني دوراتها السنوية حول عنوان محدّد (على غرار «مهرجان البستان») نحو لائحة مواضيع ذات روابط وثيقة بالموسيقى وتختار منها محوراً لدورتها (الحب، الطبيعة، بعض العواصم أو البلدان المعروفة بإرثها الموسيقي الغني،…). غير أنه في هذه السنة، جاء العنوان من خارج هاتين اللائحتين: شكسبير. والسبب ليس لأنّ المئوية الرابعة لرحيله تصادف هذه السنة فحسب، بل، وبشكل أساسي، لأنّ أعمال الأديب الكبير ألهمت عشرات المؤلفين، بدءاً من القرن السابع عشر حتى يومنا هذا. منذ «العاصفة» (1695) للمؤلف الإنكليزي هنري بورسل (1659 ـــ 1695) حوّل العديد من مؤلفي العصور اللاحقة (وبالأخص خلال الحقبة الرومنطيقية) روائع شكسبير إلى أوبريات (كما فعل غونو وفيردي وروسّيني وغيرهم) أو استوحوا منها لوضع مؤلفات من فئة القصيدة السمفونية (مثل تشايكوفسكي، سميتانا، شترواس،…) أو موسيقى باليه (بروكوفييف) أو مقطوعات للبيانو (بيتهوفن) أو غير ذلك. بل يمكن القول إن شكسبير هو من أكثر الشخصيات الأدبية التي ارتبط اسمها بالموسيقى الكلاسيكية، إلى جانب الروسي بوشكين (وأيضاً مواطنه غوغول) والألماني غوتيه وغيرهم.

الافتتاح الليلة مع القصيدة السمفونية «ريشارد الثالث» للمؤلف التشيكي سميتانا

إذاً، ولمّا وقع الخيار على شكسبير لـ«رعاية» الدورة الحالية، كان لا بد من برنامجٍ تتمحور أمسياته كلياً أو جزئياً حول مؤلفات موسيقية «شكسبيرية». من هذه الزواية، نرفع القبّعة للمنظّمين الذين وضعوا برنامجاً كاد أن يشمل جميع الأعمال الموسيقية الكبيرة التي تمتّ بِصِلة مباشرة لشكسبير. غير أن النجاح الواضح في إنجاز هذه المهمّة لم يكن تحقيقه صعباً على الأرجح. عموماً، ليس بإمكان أي جهة أن تفرض (أو حتى أن تمون) على موسيقي (أو مؤسسة موسيقية) أن يدرج في أمسياته هذا العمل أو ذاك لغايةٍ محدّدة. لكن، عندما تكون 2016 سنة شكسبير، يسعى الفنانون تلقائياً إلى إدراج أعمال ذات صلة بالذكرى في ريبرتوارهم. معظمهم قد يكون خطَّط مسبقاً للتركيز على هذه الأعمال، ما خدم المهرجان وسهّل عليه بناء برنامجٍ شديد الوفاء لعنوان الدورة. هذا لا يمنع خلو بعض الأمسيات من أي علاقة بمحور الدورة، مثل الأمسية ”رقم 1“ (5 آذار/ مارس) من حيث جمال البرنامج (باخ، الكونشرتوهان اللذان خصّ بهما آلة الكمان) ومستوى الأداء (عازف الكمان الأول في فرنسا رونو كابوسون) أو أمسية عازف التشيلّو الفرنسي ”البانكي“ إدغار مورو (15/3) وغيرهما. هذا بخلاف أمسيتَي الافتتاح (الليلة) والختام (20/3) اللتين تنضحان بشكسبير. برنامج الأولى يضمّ القصيدة السمفونية ”ريشارد الثالث“ للمؤلف التشيكي سميتانا و«حلم ليلة صيف» لمندلسون مع المغنيتَين الإنكليزيتَين فيونا هايمنز وسوفي غولدريك وجوقة الجامعة الأنطونية للنساء (إشراف الأب توفيق معتوق) بقيادة المدير الفنّي للمهرجان، الإيطالي جيانلوقا مارتشيانو على رأس «أوركسترا مهرجان البستان»! نعم، بات للمهرجان أوركسترا خاصة به، تأسست هذه السنة على عَجَل وتضم موسيقيين عرباً ومن أوروبا وأميركا (لنا عودة إلى هذه المسألة). أما أمسية الختام، فتحييها السوبرانو آنّا كاسيان التى تؤدي مقتطفات من أوبرا ”روميو وجولييت“ (للفرنسي غونو) ومن أوبرا ”ماكبث“ (للإيطالي فيردي)، والأهم في هذه الأمسية هما العملان الأوركستراليان العظيمان للروسي تشايكوفسكي، ”هاملت“ و”روميو وجولييت“، اللذان تنفذهما ”State Youth Orchestra of Armenia“ بقيادة مارتشيانو أيضاً.
الأمسيات البارزة في هذه الدورة تجدونها مرفقة بالمقالة، لكن لا بد من الإشارة في الختام الى أنه خارج إطار الموسيقى الكلاسيكية، للمهرجان لفتة شبه ثابتة إلى الجاز. قلنا في السابق ونكرّر اليوم إنّ هناك مشكلة تنظيمية حقيقية في هذا الجانب من برامج المهرجان. إذ نادراً ما فاجأ ”البستان“ محبّي هذا النمط بموعدٍ فيه الحد الأدنى من المستوى الذي يجب أن تتمتع به أمسية جاز. والحل أسهل من أن يُهمَل: إلغاء الجاز أو دعوة واحد من عشرات رموزه المرموقين.

«مهرجان البستان»: بدءاً من اليوم حتى 20 آذار (مارس) ـــ 04/972980