منذ آب (أغسطس) الماضي أي تاريخ احتجاز العسكريين من قبل «النصرة»، والدولة اللبنانية ومعها الإعلام يعيشان في تخبّط أمام هذا الاستحقاق. الحكومة تتناتشها المواقف المتناقضة من قبل أفرادها بشأن كيفية التفاوض في هذه القضية، والإعلام بدوره يلتزم حيناً سياسة عدم الترويج للإرهابيين، ويعود أحياناً ليقع في مستنقعاته ووحوله ويعزّز الانقسام ويقوم بالتحريض بالأصالة أو بالنيابة، عبر استضافته وجوهاً مستفزّة وظيفتها بث الفرقة أكان في البرامج السياسية الصباحية أو المسائية.


المثال الأكثر طزاجةً ما شاهدناه أول من أمس مع رئيس «هيئة علماء المسلمين» الشيخ سالم الرافعي الذي أطلّ في برنامج «إنترفيوز» على «المستقبل». لم يتوان الرافعي عن الدفاع عن «الثوار» و»إخوانه» الدواعش، والموقوفين الإسلاميين في سجن رومية. هذه التجاوزات مضافاً إليها المعلومات المتضاربة بشأن ملف التفاوض مع الخاطفين، دفعت وزير الإعلام رمزي جريج أمس إلى دعوة وسائل الإعلام «للتصدي للحرب الإعلامية التي يشنها الإرهابيون»، ولعدم تحويل منابرها الى «مساحة للإرهابيين، وبث الخوف وإثارة النعرات «. جريج كان قد اجتمع في أيلول (سبتمبر) مع رؤساء تحرير النشرات الإخبارية في وسائل الإعلام (الأخبار11/9/2014) للبحث في السياسة الإعلامية التي يجب أن تتبع إزاء قضية العسكريين المخطوفين. لكن يبدو أن التجاوزات قد وصلت الى حدّها الأقصى. في حديث مع «الأخبار»، أعاد جريج تأكيد أهمية السرّية والتكتم في ملف المفاوضات مع الجهة الخاطفة. واستشهد بما حصل قبل يومين مع تحرير الرهينة الفرنسي سيرج لازاريفيتش الذي كان معتقلاً في مالي وكيف خرج بعد مفاوضات أحيطت بالسرية التامة.

لقاءات بين وزير الاعلام والقنوات بهدف «ضبط الفوضى»

وحرص على عدم تسمية الأمور بمسمياتها، «لأنّ هدفه ليس التشهير» كما قال، لكنه انتقد بشكل لاذع ما تصدّره الشاشات اليوم من تغييب لشخصيات ذات مستوى للحوار، واستبدالها بأخرى، إذ «تتحوّل الحلقات الى حلبات للمصارعة لا تخلو من الشتائم». وعن الحلقة التي استضيف فيها الرافعي، علّق وزير الإعلام اللبناني بأنّ هذه الحلقات توّلد لديه المزيد من «الاشمئزاز» لما تنتجه من «تحريض وتشنّج»، ملوّحاً مجدداً بـ»إجراءات قانونية» بهدف «حماية للمصلحة الوطنية». لكن مع ذلك، يؤكد جريج الحريات الإعلامية وتجنّب إسباغ دوره بـ «الرقيب». مجموعة الملاحظات التي أدلى بها وزير الإعلام سيستكملها بلقاءات أخرى مع وسائل الإعلام المطبوعة «لدعمها»، ومع القطاع المرئي «لضبط الفوضى الإعلامية الحاصلة» بالإضافة الى شبكات التواصل الاجتماعي. وفي سياق متصل، أصدر «المجلس الوطني للإعلام» أمس تقريراً حول التعاطي الإعلامي مع ملف العسكريين المخطوفين. استعرض التقرير مقدمات نشرات الأخبار المسائية لوسائل الإعلام المرئية (9 و10 كانون الأول)، واكتفى بتوصيف التغطية وتفاوتها بين هذه الوسائل بحيادية تامة من دون إعلان أي موقف.