كوبنهاغن | الهيمنة الشعرية التي ظلت تتسيد المشهد الثقافي العراقي لسنوات بدأت تنحسر بشكلٍ لافت، كأنها تتنازل مرغمة عن عرشها، أمام فورة الرواية العراقية العارمة التي ظهرت بكل عنفوانها، حال سقوط النظام الديكتاتوري، معلنةً هوية جديدة وُلِدَت من رحم الكارثة. حين سقط التمثال، وجد المثقف العراقي نفسه محاصراً بالعديد من الأسئلة، كان أهمهما يدور حول دوره ووجوده وعلاقته بمجتمعه، ومدى ارتباط ورسوخ الذاكرة وعلاقتها بالمجتمع (المثقف ذاكرة مجتمعه).


ولكن المثقف وجد نفسه أمام سؤال لا يخلو من الحيرة: من أين يبدأ؟ وكيف؟ وبماذا يبدأ؟ وأية شخصية روائية يمكنه خلقها لتحمل المشهد العراقي على كاهلها؟ في الإجابة على هذه التساؤلات، أيقن المثقف أنّ كيانه الإنساني الذي كابد سنوات الفجيعة العراقية، هو الأجدر بتحمل المسؤولية، فصارت ذات الكاتب «المتحررة نسبياً من الخوف المزمن» بطلاً لأغلب الروايات العراقية الصادرة بعد السقوط.
منذ دخول قوات الاحتلال الأميركي عام 2003، حتى يومنا هذا، تُظهر الروايات الصادرة فكراً روائياً لكتّاب نستطيع تلمس وعيهم الكامل بحجم التطورات السريعة التي شهدها العراق، وخصوصاً الكارثة التي كانوا يعيشونها. أكثر من عقد مضى، صدر خلاله عدد من الروايات العراقية قد يفوق أو يوازي بنسبة كبيرة، جل الناتج الروائي الصادر خلال القرن المنصرم. روايات السنوات العشر المنصرمة ظهرت متفقة في أغلبها على أرشفة «الوجع العراقي»، وجع الحروب والموت والزنازين والخوف ومصادرة كرامة الإنسان خلال سنوات حكم الديكتاتور وما تلاها من تبعات فجائعية، الاحتلال، الارهاب، الموت المجاني، الاحباط وتكسر أحلام المنفى على دكة الواقع المتناقض. وهنا نسأل: هل تحاول الرواية العراقية تأسيس مرحلة جديدة تحت مسمى «مرحلة الوجع العراقي روائياً»؟ سؤال يطرحه تلمسنا «الوجع» في صلب البنية الروائية وطبيعتها السردية. فقد ظهرت الروايات متلائمة بخوفها وآلامها وطموحاتها وأمانيها، مع واقع الإنسان العراقي الذي عاشه بكل قساوته وأحلامه. وهذا ما تفصح عنه روايات مثل «العودة إلى كاردينيا» لفوزي كريم و»إعجام» لسنان أنطون، و»ياسين وصحبه» لحاتم جعفر، و»البلد الجميل» لأحمد سعداوي وغيرها.

دحض مصطلح «أدب الداخل
وأدب الخارج»

إنها حقيقة تطرحها أفكار ورؤى النصوص الروائية التي ظهرت بعد التغيير، كأنها تحاول منح الحياة مجدداً للضحايا، ليحكوا لنا قصة موتهم، والأنفاس الأخيرة المختلطة بتراب المقابر الجماعية أو ساحات الحروب الخاسرة. وهذا ما نجده جلياً في العديد من الروايات، ومنها «عين الدود» لنصيف فلك الذي يعلن أهمية منح الحياة مرة أخرى لضحايا النظام السابق. بعض الروايات ظهرت كأنها ليست وليدة التغيير، بل كانت أفكاراً مؤجلة أو كُتِبَت بالفعل في زمن الديكتاتور، ولكنها خُبَّئت في انتظار فسحة الحرية. أعمال كانت تشكل خطاً مقاوماً مهماً وإن كان شكل المقاومة يأخذ طابعاً شخصياً أي طابع «المقاومة الكتومة». ولعل وضوح أسلوب التورية أو المواربة والرمزية التي تميزت به بعض الروايات، هو دليل واضح على هذا، حيث تبدو الرواية التي ظهرت بعد التغيير متلائمة في شحوبها وملامحها القاسية من ناحية، وصيحاتها ووحشتها المُرَّة من ناحية أخرى، مع شحوب ووحشية ومرارة واقع الفرد العراقي الذي ما زال في بداية تعرّفه إلى هويته الوطنية الجديدة التي لم تتضح معالمها بعد، باستثناء وضوح دوره في لعب دور الضحية الذي أجاده بامتياز.
ثمة روايات ظهرت حاملة هماً بحثياً مهماً لا تنقصه الرؤية الواضحة، معتمدة فلسفة جديدة منفتحة، تعتمد الابتعاد من اللهاث خلف أشكال حكائية لا دور تاريخياً لها، معتمدة على إيمان الروائي بأن أهمية الرواية تكمن في الأفكار والرؤى المطروحة بدراية تامة وتقنية روائية عالية، وهذا ما جعل العديد من الروايات تتأرجح فلسفياً بين أسئلة الحيرة وأسئلة الإدراك، بين الواقع من جهة ومرارة إدراك غرائبيته من جهة أخرى. وتتجلى أسئلة الحيرة والإدراك بشكل واضح في بعض الروايات مثل، «مشرحة بغداد» لبرهان شاوي، و»الضلع» لحميد العقابي، و»يا حادي العيس» لسعد سعيد، و»أساتذة الوهم» لعلي بدر، و»بين الجنة والنار» لأحمد غانم عبد الجليل وغيرها. تشي الرواية الجديدة بأن الروائي العراقي كوّن أسئلة الحيرة بإدراك تام بعدما كان خلال الكتابة قد دَرَسَ، وتعمّق، وقَبِل، ورفَض ما لا يتوافق مع أفكاره ومزاجه وآرائه الشخصية، مانحاً نصّه بعداً روائياً بخصوصية عالية.
الحقيقة أن الرواية العراقية الجديدة في شكلها ومضمونها وطبيعة بنيتها السردية، قد أخرجت عالم الرواية من التقليدية، أو كلاسيكية الرواية العراقية، لتكتب الوجع المزمن أو «أدب الوجع العراقي» بجمالية خاصة جداً، وبعضها ظهر بلغة شعرية ممتعة، رغم أنه يتحدث عن الواقع. وقد لوحظ في أغلب الروايات غياب الالتزام بأي فكر إيديولوجي، أو ميول لفكرة ضيقة مثل القومية. على العكس تماماً، اتضحت ميول المؤلف إلى الحيادية، اعتماداً على البنية الروائية المتقنة وحيادية فكرتها، والميل إلى أرشفة يوميات الإنسان بمختلف مستوياته الاجتماعية أو الفكرية وصولاً إلى تفاوت مستوى الفجيعة بشكل روائي متقن جدير بالقراءة والتأمل. الملاحظ أن الكاتب العراقي يتوارى غالباً خلف نتاجه «النص الروائي» ليُظهر أفكاره بشكل صريح لا يحتمل اللبث. أفكار صاغتها تجربته الإنسانية لتدله على وضوح الطريق الخالي من اديولوجيات التحزب. هذه الفكرة نجدها وقد سجلت حضوراً واضحاً في عدد لا يستهان به من الروايات، مثل «وحدها شجرة الرمان» لسنان أنطوان، و»السيد أكبر أصغر» لمرتضى كزار، و»عين الدود» لنصيف فلك، و»أقتفي أثري» لحميد العقابي وغيرها من الروايات التي تطرح أفكاراً تشير إلى أن زمن الأفكار «المتحزبة» قد ولّى. يتضح أن الرواية الجديدة عمدت إلى العمل بفكرة «الإنسان العراقي أولاً»، لنعيش مشاهد الإنسان داخل الروايات بصور متعددة: الإنسان الملاحق، المهان، الإنسان الجثة التي تباع وتشرى من سمسار إلى آخر، الإنسان المفزوع، وكذلك الإنسان المثقف الذي يحاول القفز على شعور الخيبة من خلال أعمال صحافية أو أدبية قد تؤدي به إلى السجن أو القتل، كما في رواية «الأمريكان في بيتي» لنزار عبد الستار، بالإضافة إلى صورة الإنسان المثقف، القتيل، الذي ترك أعمالاً تحكي لنا ذلك الهم والصراع الذي كان يعيشه في دوامة الخطر المحدق به جراء تهديدات سياسة جيش الاحتلال وتهديدات أبناء جلدته من السياسيين أو التنظيمات الإرهابية، كما في سلسلة «المتاهات» الخمس التي كتبها برهان الشاوي. لم تغفل الرواية العراقية، زمن الاحتلال، بل عمدت إلى تصوير تبعاته الكارثية على الشعب والشارع وتركيبة المجتمع. ظهرت كأنها حالة من حالات المقاومة لا تتمثل في مقاومة الاحتلال وتبعاته عسكرياً، بل مقاومة نسيان حجم الفجيعة.
عمدت الرواية العراقية الجديدة إلى دحض وتفنيد مصطلح «أدب الداخل وأدب الخارج» موجهة له ضربة موجعة من خلال أعداد كبيرة من الروايات وضعت القارئ أمام نتاج عراقي خالص بغض النظر عن مكان إنتاجه. الملاحظ أن أغلب الروايات التي انطلقت من أرض غير العراق، كانت تشق طريقها بدراية بالغة صوب الداخل العراقي، لتجد لها طريقاً مقبولاً يمهد لبناء رواية عراقية تتحدث عن زمان ومكان عراقيين. لذا نجد أغلب الأفكار التي بنيت عليها الروايات تدور غالباً حول من عاش المنفى وقرر العودة إلى الوطن، عن طريق الرحيل أو السفر أو حتى الذاكرة والمخيلة كما في رواية «هواء قليل» لجنان جاسم حلاوي، و»خلف السدة» لعبد الله صحخي، و»قشور بحجم وطن» لميثم سلمان، و»مذكرات كلب عراقي» لعبد الهادي السعدون.
وأخيراً، فإن حصول رواية عراقية على جائزة «بوكر» العربية هذا العام («فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي) دليل على أهمية الهوية التي صاغتها روايات العراق الجديد، بعدما امتلكَ الكاتب حريته، وإن جاءت بثمنٍ باهظ، دفعه وما زال يدفعه الإنسان العراقي.