يروي «نظرية كل شيء» للبريطاني جايمس مارش سيرة عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينغ وعلاقته بزوجته جاين. علاقة تشكّل محور الشريط المقتبس عن مذكرات حياتها مع هوكينغ التي نشرت تحت عنوان «السفر إلى اللا نهاية». يصور الشريط هوكينغ (إدي ريدماين) في بداية العشرينيات يدرس في «كامبردج» حين يلتقي بـ «جاين» (فيليستي جونز) التي تدرس الأدب الإنكليزي. يحدث انجذاب فوري بين الشابين، رغم التصادم في معتقداتهما. يعتبر هوكينغ أن الله من الأجناس المهددة بالانقراض، بينما تذهب جاين المتدينة إلى الكنيسة كل أحد.


ورغم افتتانها بنظرياته، تظل تنتظر منه اعترافاً بوجود الله، أمنيتها التي تتحقق جزئياً في أحد مشاهد الفيلم حين يكتب هوكينغ في مؤلّفه «تاريخ موجز للزمن» أنه إذا وجدت نظرية موحدة للعلوم، فذلك سيساعد البشر في فهم عقل الإله، ولو أنه في الحقيقة أقرب إلى الإلحاد. إلا أن الفيلم لا يتوقف مطولاً عند هذه الفكرة. كذلك، يبالغ الشريط في تبسيط بعض نظريات هوكينغ من دون أن يأخذها إلى موضع الجدال أو المناقشة.
قبيل تعرفه إلى جاين، وبينما يعمل على أولى نظرياته على العودة إلى الوراء في الزمن لفهم نشأة الكون من خلال عمله على الثقوب السوداء، تبدأ رحلت هوكينغ مع المرض. يشخص الطبيب إصابته بمرض التصلب الجانبي ويخبره بأنه سيفقد تدريجاً القدرة على الحراك ليصبح مشلولاً ولن يعيش أكثر من سنتين، علماً أن عمره يتجاوز حالياً سبعين سنة. سيكون سؤال هوكينغ الوحيد: «هل سيتأثر دماغي؟»، فيجيبه الطبيب بأن أفكاره لن تتغير لكن لن يعرفها أحد. يصور الشريط هوكينغ المسجون داخل جسده، الدور الذي يؤديه الممثل إيدي ريدماين ببراعة، فينجح في نقل صراع هوكينغ للتواصل مع العالم الخارجي، عبر أدق التفاصيل كنظرة العينين أو تعابير الوجه. من خلال مشهدين مؤثرين ببساطتهما، ينقل الفيلم أحلام هوكينغ الصغيرة بممارسة أبسط أمور الحياة، أحدهما وهو يراقب الجميع يأكلون أثناء العشاء بسهولة في حين يجاهد لتصل الملعقة إلى فمه. والثاني أثناء إلقائه محاضرة،

العمل مقتبس عن مذكرات زوجته والمصاعب التي واجهتها معه


حين يسقط قلم من إحدى الفتيات، فيتخيل نفسه يقف ويلتقطه ليعيده إليها ليختتم بقوله: «طالما هناك حياة، هناك أمل».
ولعل المرة الوحيدة الذي يبدو فيها هوكينغ منهزماً هو حين يفقد صوته تماماً (إثر عملية جراحية يضطر لها الأطباء لإنقاذ حياته) فلا يستجيب لمحاولات جاين التي تحثه على التواصل معها عبر لوح الحروف والأرقام عن طريق رمش عينيه، الحركة الوحيدة التي لم يفقد القدرة على القيام بها. وبدل ذلك ترتسم ملامح الألم على وجهه، إذ إن البكاء أيضاً هو مشقة بالنسبة إليه. وإذا كان الفيلم يعتمد على مذكرات جاين نفسها، إلا أنه لا يتبنى وجهة نظرها تماماً.
يبتعد الشريط من المثالية ليرسم بورتريه أكثر واقعية عن المشقات التي فرضها مرض هوكينغ على علاقتهما الزوجية. مع علمها بمرضه، تختار جاين الزواج بهوكينغ وتحثه على المقاومة بطبعها المحارب الذي لا يخلُ من الصرامة. بعد إنجاب ثلاثة أطفال، يقع عبء تربيتهم على كاهلها ليضاف إلى عبء الاهتمام بهوكينغ، تتعرّف جاين إلى مدرب الكورس في الكنيسة جوناثان (شارلي كوكس). يصبح الأخير صديقاً للعائلة يساعدها في الاهتمام بهوكينغ والأطفال، قبل أن يصبح حبيبها لاحقاً. ترتيب يحدث بموافقة هوكينغ الضمنية، الذي تنشأ علاقة خاصة بينه وبين المعالجة المرحة إيلين (ماكسين بيك)، فيقرر الزوجان الانفصال. رغم ذلك، لا يخلو الفيلم من المثالية في تقديمه لشخصيتي هوكينغ وجاين، متجنباً الغوص في التفاصيل الحميمية لعلاقتيهما. هكذا، تبدو حواراتهما «الكلاسيكية» باهتة أحياناً، في حين أن التفاعل بين ستيفن وإيلين أكثر طرافة وحرية، فنراها تساعده في تصفح مجلة إباحية طلبها سراً. ضمن أسلوبه السينمائي أيضاً، يعتمد المخرج على جمالية كلاسيكية بخلاف بعض اللقطات، كما مشهد هوكينغ والطبيب الذي يخبره عن مرضه. تنقل الكاميرا هذا المشهد إلينا عبر زواياها الاستثنائية إلى النفق المظلم الذي يبدو هوكينغ على وشك دخوله. رغم ذلك، فإن المخيلة السينمائية للشريط قد لا تضاهي المخيلة المبتكرة للفيزيائي الشهير الذي يتناول سيرته. وقد تذكرنا حبكة العمل بفيلم «العقل الجميل» (2001) عن عالم الرياضيات جون ناش الذي ينطلق أيضاً من علاقته بزوجته ليسرد سيرة حياته وصراعه مع مرض الفصام، إلا أنه لا ينجح في نقل شغفه الفكري.

* «نظرية كل شيء»: ابتداء من الشهر المقبل في الصالات اللبنانية