كيف تغادر الأنا تدريجاً الجسد حتى يصبح بلا هوية، كوعاء فارغ لشخص كان وغادر؟ وهل تظلّ الخسارة مؤلمة حتى لو لم تعد تدركها الذاكرة؟ في «لا تزال أليس» (2014 ـــ Still Alice) للمخرجين الأميركي ريتشارد غلاتزر والبريطاني ووش وستمورلند، تجسد الممثلة جوليان مور واحداً من أروع أدوارها على الشاشة الذي حصدت عنه العديد من الجوائز. ومن المتوقع أن تكون من المرشحات لأوسكار أفضل ممثلة هذه السنة. شخصية أليس التي تؤديها الممثلة الأميركية هي أستاذة جامعية خمسينية، شغوفة باختصاصها أي علم اللغات. فجأة تعاني من هفوات موقتة في الذاكرة، فتجد نفسها تسهو عن الكلمات التي تعرفها جيداً أثناء المحاضرات أو تتوه في الأمكنة المألوفة. مدفوعةً بخوفها من احتمال إصابتها بسرطان الدماغ، تذهب أليس لزيارة الطبيب الذي يطمئنها، لكنّه يشخصها بما هو بعد أسوأ من السرطان بحسب تعبيرها.


إنّه مرض الزهايمر المبكر. هكذا، يصوّر الشريط صراع أليس اليومي ضد الزهايمر «فن الخسارة الذي لا يصعب إتقانه» كما تصفه في الفيلم مقتبسةً عن الشاعرة اليزابيت بيشوب. تجاهد لتتذكر تفاصيل حياتها: الكلمات مثل الأشخاص والعناوين تبدو كأنما تنزلق منها.
تراها لكن لا تستطيع أن تلتقطها بحسب تعبيرها، ما يضطرها لترك عملها في الجامعة وملازمة المنزل حيث يهتم بها زوجها. لعل ما يزيد ألم هذا الصراع كما يعرض الفيلم هو التفاصيل الاعتيادية التي تصبح جحيمية بالنسبة إلى أليس. هذا ما نشاهده عندما تنسى فجأة مكان الحمام في بيتها، أو تعجز حتى عن قراءة رواية بسهولة «موبي ديك» كما تسخر من نفسها بمرارة أثناء حديثها مع زوجها (الممثل أليك بالدوين) لأنها كلما قرأت جملة، نسيتها. نرى فقدانها التدريجي للغة التي كانت كل عالمها، فيما تصاب بالهلع التام في البداية. تحاول لاحقاً تمالك نفسها واستعادة السيطرة، فتلجأ إلى الهاتف كنوع من ذاكرة افتراضية بديلة، ما يذكّر بفيلم «قبل أن أذهب للنوم» (2014) الذي تؤدي بطولته نيكول كيدمان المصابة أيضاً بفقدان موقت للذاكرة، فتستعين بالكاميرا لتسجيل ذكرياتها، ولو أنّ المقاربة مختلفة بين العملين. فيما تحاول كيدمان استرجاع هويتها، يكون رعب أليس من فقدان هويتها، فتصوّر مقطع فيديو ليذكّرها مرة أخيرة بنفسها ولتأمرها بالانتحار الذي خططت له مسبقاً حين تسوء حالتها إلى درجة لا تعرف إجابات الأسئلة البسيطة. عبر أدائها الذي يشكّل نبض الفيلم، تجسّد مور تحوّل أليس من المرأة الحاضرة المتقدة الذهن التي نراها في أول الفيلم إلى أخرى لا تشبهها. تغيب تعابيرها النابضة بالحياة ليحلّ محلها الذهول أو الصمت والاستسلام التدريجي لغيابها أو تغييب الآخرين لشخصها منذ إصابتها بالمرض. هذا الأمر يتجسّد عبر اللغة السينمائية. من خلال هندسة اللقطات، يصوّر المخرجان عنف الإلغاء وموت الأنا في حين ما زال الجسد ينبض بالحياة كما عندما تمرغ أليس معجون الأسنان على المرآة لتخفي انعكاسها. وما يزيد ربما من قسوة الفيلم هي واقعية شخصياته البعيدة من المثالية، فالزوج يتذرّع بالعمل للهرب إلى مدينة أخرى، الأمر الذي تحدسه أليس على الرغم من تصوّره العكس. يبحث الفيلم كذلك في مكونات الهوية. لما تسقط الأدوار التي تلعبها أليس كأم أو زوجة أو أستاذة جامعية، تموت افتراضياً في نظر المجتمع وأفراد عائلتها. وحدها الابنة الصغرى ليديا (الممثلة كريستن ستيوارت) لا تتخلى عنها رغم علاقتها المتأزمة مع أمها التي يصورها الفيلم في البداية. تظل ليديا تبحث في علاقتها معها عن شيء قد يتخطى حدود الذاكرة والإدراك. ربما هو الحب كما تعلّق أليس حين تقرأ لها ابنتها أحد النصوص وتسألها عن فحواه. في النهاية، تغرق أليس في الماضي الذي لا تميزه عن الحاضر، فتمزج بين ابنتها وشقيقتها وأمها اللتين فقدتهما لما كانت في الثامنة عشرة. تعيد تخيل الذكرى السعيدة نفسها وهن يلعبن على الشاطئ. ويبدو الزهايمر المبكر الجيني الذي ورثته أليس عن أبيها الذي أصيب به في عمرها بعد خسارة زوجته وابنته كما يذكر الفيلم كأنّما رحلة عودة إلى الخسارة الأولية. رغبة ضمنية ربما بفقدان الإدراك لترميم الإحساس المتراكم بالفقد.

Still Alice قريباً في الصالات اللبنانية