البورتريه الذي يرسمه المخرج مايك لي للرسام الإنكليزي الرومانسي جوزف مالورد ويليام تورنر (1775-1851) في فيلمه الجديد «السيد تورنر» (2014) الذي يطرح قريباً في الصالات اللبنانية، ليس ساحراً بالمعنى التقليدي للكلمة. يقدّم لي «السيد تورنر» بتعابير وجهه المتشنجة وطبعه الحاد الذي لا يخلو من الفظاظة. يبدو أقرب إلى طفل كبير نزق ومدلل.

هما عالمان متضاربان يمزجهما المخرج ببراعة: واقع تورنر الجاف بقسوته المجردة والحياة التي يبثها في لوحاته عبر لغة سينمائية مذهلة بجماليتها البصرية ومشاهد الطبيعة التي يصورها بالتدرجات المختلفة لللون والضوء. علماً أنّ نال ديك بوب مدير تصوير الفيلم حاز عنه جائزة خاصة من لجنة التحكيم في «مهرجان كان السينمائي» (2014).

العلاقة الوحيدة الثابتة في حياة تورنر (الممثل تيموثي سبال) هي التي تجمعه بأبيه ويليام (الممثل بول جسون).
فهو معاونه المخلص الذي يشتري له الألوان ويساعده في تحضيرها ويحرص على راحته فيصرف الضيوف المزعجين كعشيقة تورنر السابقة وبناته اللواتي لا يعترف الرسام حتى بوجودهن. يجيب بالنفي كلما سئل عما إذا كان لديه أطفال.
ما يوحّد الأب والابن، هو كره الأم المجنونة بحسب تعبير تورنر التي توجّب سجنها في مصح عقلي. هذا الأمر قد يفسّر علاقة تونر المضطربة مع المرأة وعدم اكتراثه حتى ببناته. عندما تموت إحداهن، لا يرف له جفن، بل يكمل حياته كأنّ شيئاً لم يكن. المرأة الثانية غير المرئية في حياة تورنر التي تجمعه بها علاقة سادية ماسوشية، هي مدبرة المنزل المنكسرة هانا (الممثلة دوروثي أتكنسون). تتبعه الأخيرة كظله، وتتوق لأن يلاحظها، في حين يكتفي هو بممارسة الجنس معها من وقت إلى آخر من دون أي تواصل عاطفي أو حتى إنساني. بعد موت الأب، يبدو تورنر تائهاً تماماً. وهي المرة الوحيدة التي نلمس فيها أثراً للانفعال على وجهه، فينهار في أحد بيوت البغاء وهو يهم برسم إحدى النساء هناك. مشهد يؤديه الممثل تيموثي سبال بمهارة، فنال جائزة أفضل ممثل في «مهرجان كان السينمائي» الأخيرة. يصوّر المخرج الجهود العسيرة لتورنر في التعبير. ومن الواضح أنه لا يجيده، إذ يبدو بكاؤه أشبه بنوع من الحشرجة أو الصراخ. لكن موت الأب يحرّر تورنر بطريقة ما، ويصالحه مع المرأة، فيتقرّب من صوفيا (الممثلة باريون بايلي) التي تصبح عشيقته، هي التي كانت مديرة النزل الذي اعتاد على الإقامة فيه أثناء رحلاته. وكانت صوفيا تهتم به وترعاه في ما يشبه صورة الأم، فيسكن معها إلى حين موته. أما في أسلوبه السينمائي، فالكاميرا في الفيلم هي دائماً على مسافة من الشخصيات وفي حالة ترقب أو تأمل ترصد ــــــ بهندسة اللقطات بدقة ــــــــ تحرّكات الشخصيات داخل المشهد وتفاعلها بصمت في ما بينها.
مثلاً، يشرّح المخرج شخصية مدبرة المنزل الصامتة وعلاقتها مع تورنر عبر اللغة السينمائية من دون أية حاجة إلى الحوار. كذلك، تعكس قسوة اللغة السينمائية وانعدام الحميمية بينها وبين الشخصيات، عالم تورنر البارد والانعزالي الذي لا يتفاعل إلا مع الضوء ــ شغفه الوحيد ــ الذي منحه لقب «رسام
الضوء».
بالتناقض مع المشاهد المعتمة والخالية من الحياة داخل بيت تورنر، يجسد المخرج رؤية تورنر الفنية عبر لغة سينمائية مبتكرة يمزج فيها بين أعماله والجمالية البصرية للمشاهد الطبيعية التي يلتقطها تورنر أثناء رحلاته ويعيد تشكيلها في لوحاته التي ينتشلها المخرج من حالة الجماد ليصوّر عبرها عالم تورنر الداخلي.
كذلك، تواكب الموسيقى (تأليف غاري يرشون) بتواتراتها المقلقة السكون الحذر الذي يسيطر على إيقاع الفيلم ويشبه هدوء الطبيعة ووحشيتها التي نلمسها في أعمال تورنر كما على سبيل المثال لوحة «العاصفة الثلجية ـ هنيبعل وجيشه يعبرون الألب» (1812) أو «سفينة تمرير المقاتلة» (1838) أحد أشهر أعماله.

«السيد تورنر» قريباً في الصالات اللبنانية