يخوض عبد العظيم فنجان (1955) مغامرة خطرة حين يخصص ديوانه «الحب حسب التقويم البغدادي» (دار الجمل) للكتابة في موضوع واحد هو الحبّ، فضلاً عن أنّ الموضوع نفسه مكرور ومحكوم بمخاطرات من صنع معجمه هو، إذْ نكاد لا نجد موضوعاً أُسيء إليه في الشعر مثلما أُسيء إلى الحب الذي صار مطيّة سهلة للمبتدئين، وفخاً يقع فيه الكثير من المكرَّسين أيضاً. لا نستطيع تجاهل فكرة كهذه، لكنها تصبح قابلة للنقاش وإعادة النظر بمجرد أن نبدأ بالقراءة، وننتبه إلى الزاوية الخاصة التي يطلّ منها الشاعر على موضوعه، والعناية الفائقة التي يبذلها في تأليف الصور والاستعارات. لا يبتعد الشاعر العراقي عن مزاج باكورته «أفكّر مثل شجرة» (2009) التي تأخر في إصدارها وإدهاشنا بها. لا تزال «الروحية الحديثة» تتجول في أغلب قصائد ديوانه الجديد، لكن هذه الروحية تتخلى عن بنائها الخيطي وانضباطها الفردي، وتنفتح على حالة شعرية أوسع تسمح بالاسترسال والسرد والغناء. الاتساع الشعري يسمح للمرأة المخاطَبَة باكتساب صفات مماثلة تُفقدها حضورها الفردي لمصلحة أنوثة شاملة تُملي على الشاعر أن يكون صوت نفسه وصوت ذكورة شاملة أيضاً.


هكذا، يصبح السخاء اللغوي (والعاطفي) جزءاً أساسياً في عملية الكتابة، ولا يجد الشاعر حَرَجاً من الإفراط في الوصف والإضافة ومطاردة المعاني إلى نهاياتها، حيث المرأة ممتدحة هكذا: «أنتِ من أحببتُ قبل أن يعثر الإنسان على قلبه/ أنت من غنّيتُكِ وحيداً بحنجرة الجميع/ أنت عدة شموع في شعاع واحد/ أنت سفينةٌ في عدة طوفانات/ أنت حزمة مفاتيح في معرفةٍ واحدة/ أنت سهم الرحمة الذي يذبح القلب، ويرسمه ملاكاً في راية الشيطان/ أنت لا نهائية الغفران في الخطيئة/ أنت فيضانٌ من الشك في قناعةٍ أكيدة/ أنت انشطار المعنى، ومفترق طرق أمام مسافر واحد». أحياناً تُذكِّرنا صورة مثل «كان قلبي يرنّ، لأن هاتفكِ مغلق» بـ «أرضية» هذه المرأة وواقعيتها، ولكن الشعر لا يكف عن رفعها عن الأرض: «كانت تمطرُ ريشاً/ عندما رقصتِ في آخر مرة/ لأنكِ تحولتِ، من فرط الغبطة، إلى حمامةٍ، وطرتِ».
لعبة الشاعر موجودة في الكتابة على الحافة، حيث بإمكان أي شرودٍ خاطف أن يُدحرج القصيدة إلى وادي العادية والابتذال. يستسلم فنجان لسيولة المعجم وعمومية الموضوع، ولكن المخيلة تُسعفه دوماً بصور تلمع وسط سطور متتالية، أو استعارة بارعة تعزز شعرية مقطع كامل. إنها قصائد في الحب، ولكن الحب لا يُكتب بادعاءات العاطفة وحدها، ولا يُوقع صاحبه في الرخاوة الوجدانية. ربما يكون هذا الشعر مكتوباً فعلاً في حضرة امرأة بعينها، ولكن صاحبه لا ينسى مهمته كشاعر عليه أن يُقنع القارئ بما يكتبه. هكذا، يصبح الحب – مثل أي موضوع آخر – ذريعة لكتابة عالية الجودة. أحياناً يغرق الشعر في نشيد الإنشاد: «أيتها المنتخبَة من بين الصبايا كي تصير أماً/ أيتها المختارة من بين الأمهات كي تعود صبية»، وأحياناً، يصبح الشعر نفسه فكرة في النص: «كان أبوكِ ناقداً قديماً كالظلام… فيما كنتُ لقيطاً كقصيدة نثر».
في المقابل، لا يَغفل القارئ عن البِطانة الداخلية الثرية لما يقرأه. هناك أطروحة حضارية وفلسفية تتحرك في أحشاء القصائد. صحيحٌ أن هناك صعوبة في اجتزاء صور صافية من جسم القصيدة المكتوبة بنفَسٍ حكائي، وعلى سطور كاملة، إلا أن الديوان «صفعة قوية لمُنشدي الحروب»، كما يقول الشاعر نفسه في رسالته إلى صديقه الناشر. هكذا، نجد في قصيدة «أخاف من مرآتي أن تكسر جمالكِ»، ترجمةً أخاذة لما فعلته الحروب بالإنسان عموماً، وبالإنسان العراقي خصوصاً: «ألبسوني خوذةً لئلا تحلق هواجسي بالقرب من أشواقكِ… أما الثكناتُ فقد لقّنتني أنكِ كائنٌ ناقص العقل». ولهذا، «أخاف أن أنام على سريركِ، ومن مسام جسدي تشعّ أبواق الثكنات/.../ لا أريد أن تحبيني وأنا محشوٌّ بالقتلى/ أخاف أن تحملي مني وحشاً».