في خضم ثورات التغيير التي تجتاح الوطن العربي، وحالة الانقسام المجتمعي إزاء التحولات السياسية التي شهدتها بعض الدول مثل مصر وتونس وصعود وشرعنة تيارات الإسلام السياسي محلياً ودولياً، تزداد الحاجة إلى مراجعة التحوّلات التي شهدها الخطاب القومي العربي وتواريه خلف تعقيدات أنظمة الاستبداد والتبعية، ومن ثم وراء خطاب التدين الذي قد يحكم المنطقة طوال العقد المقبل. بعيداً عن ضوضاءِ الأيديولوجيا، يحاول الباحث الفلسطينيّ هاني عوّاد في كتابه «تحوّلات مفهوم القوميّة العربية ــ من المادّي إلى المتخيّل» (الشبكة العربية للأبحاث والنشر) تقديم مساهمة جادّة في نقد الخطاب القومي العربي من زاوية جديدة، عبر مناقشة أربعة نماذج من دعاته في القرن العشرين. من الجيل الأول، يتناول محمد عزة دروزة، ومن الجيل الثاني نديم البيطار وقسطنطين زريق، ومن الجيل الثالث عزمي بشارة، ليحاول بعد ذلك التشبيك بينهم، منطلقاً من مقولة «الصيرورة الثقافية للفكر» التي تبنّاها لفهم تطوّر الخطاب وتشكّله.


لم تعبأ فصول الكتاب باستخراج الجذور الغربية في تشكيل النموذج القومي لكل داعٍ من دعاةِ القومية الأربعة، أي إنّه لم يتعامل مع الخطاب القومي العربي على أنه فرعٌ من أصل. اعتبر النتاج القومي الأصل الذي يعبِّرُ عن جدلٍ مع مشكلات الواقع العربي. وما كان استبدال هذا الخطاب لنظريات وطرائق إلا في سياق صيرورة ثقافية تسعى جاهدة إلى مواكبة تعقدات الواقع.
يخلص الكتاب إلى تحقيبِ الخطاب القومي العربي إلى ثلاث مراحل. أولاها مرحلة الما ــ صدق، حين استخدم المثقف القومي العربي خطاب المقومات المادي. من خلال تحليل كتابات محمد عزة دروزة، يكشف أنّ داعي القومية العربية الذي حمل شذراتٍ عنصرية في تصوره للقومية العربية، اشتغل من باب التحصيل الحاصل في التراث، وانتبه منذ وقتٍ مبكرٍ إلى ضرورة أن يعيد مفهمة الإسلام وتاريخه قومياً، وذلك على العكس من استنتاج محمد عابد الجابري في تحليله لكتابات ساطع الحصري. ويدلّ ذلك على أنّ قطاعاً من الجيل الأول من القوميين العرب، لم يغفل عن ضرورة توظيف التراث في المشروع النهضوي العربي، إلا «أنَّ ضغط الآخر/ الاستعمار أدى إلى إعاقة الفهم الموضوعي لمعناه. وربما كان أحد أسباب ذلك هو الصورة التي قدّمها المستعمر عن نفسه، وتناولها المثقف القومي بغير تأنٍّ، لينسج على مثالها صورته». ولو أنَّ أبناء الجيل الثاني من القوميين العرب تابعوا الجهد التأصيلي لهذا الاتجاه، لما نجم عن ذلك فراغٌ قام بسدّه الإسلام السياسي. لكنَّ اللاحقين انزلقوا إلى خطاب العلموية كما يبيّن المؤلف من خلال تحليل نتاجات نديم البيطار وقسطنطين زريق، وهما داعيان إلى القومية العربية من الجيل الثاني. في هذه المرحلة، انتبه رواد القومية إلى ضرورة إعادة ترتيب طروحات الفكر القومي العربي، والتخلص من الجوانب الرومانسية التي تتخلله. باختصار، «أدرك أولئك الطبيعة الأيديولوجية للفكرة القومية»، فذهبوا إلى صبغها وتعديلها وإعطائها صفة العلمية لتحويلها إلى نظريةٍ علميّة، وينظّروا في ضرورة الاستفادة من المنجزات المعرفية الحديثة التي حققتها الدراسات التاريخية والسوسيولوجية. خصّص هاني عواد فصلين لمناقشة الأزمة التي وقع فيها الجيل الثاني عندما حوّل القوميّة إلى نظريّة، فقد انحبس تيّار فيه يمثله نديم البيطار في «المنهج السايكروني» أو «جدلية الجوهر» بالتعبير الهيغلي، فشيّد تصوره للأيديولوجية القومية بناءً على ضرورة تحليل الانتقالات التاريخية من مجتمع مجزأ إلى آخرٍ موحَّد، أي فحص القوانين والآليات الاجتماعية التي تحقق حالة الوحدة، ومعاينتها وإدراكها كبنيةٍ تحمل مقوماتها داخلها.
وإذا كان البيطار قد ذهب إلى الحدّ الأيديولوجي الأقصى من العلموية القومية إذا صحَّ التعبير، فإن قسطنطين زريق ممثلاً للاتجاه الثاني، ذهب إلى نقيضه، باسم التاريخانية. هكذا، ردَّ القومية العربية إلى دائرة الأخلاق لا دائرة السياسة، وحصرها في الحيز الخاص، وأقصاها عن الحيز العام. وهو أمرٌ مرده مماثلته لها بالتدين بمفهومه الذي نظّر له روّاد التنوير الأوروبي. لم تكن هذه النقلة لتجري لولا أن زريق استبدل الدعوة القومية، بدعوة أخرى للتحديث، واقتباس الأساليب الحديثة في «تطويع واستغلال الموارد والإنتاج والتنظيم، وعلى اللحاق بركب الشعوب المتقدمة تقنياً وعلمياً»، فالآلة برأيه هي «ربّ المجتمع، هي التي تحركه وتضمن له الحرية والاستقلال. لقد كان زريق منظراً للأداتية بامتياز»!.
في المرحلة المعاصرة، مرحلة التجديد من الصيرورة الثقافية للقومية العربية، يذهب الكاتب إلى أنَّ عزمي بشارة الذي يعدّه ممثلاً للجيل الثالث من دعاة القومية العربية، قام بجبرِ الخلل الذي وقع فيه سابقوه، عبر الفصل نظرياً بين الأمة والقومية، ولأنَّ الدولة القطرية هي أمرٌ واقع، كان لا بدّ للخطاب القومي من التعامل مع مسألة تعدد الأمم الذي خلّفته الحدود القطرية، فالتطوّر الذي يمثله بشارة «في أنضج لحظةٍ من الصيرورة الثقافية للفكر القومي العربي هو قلب مقولة القوميين العرب الكلاسيكية لتصبح: أممٌ مواطنية وقومية ثقافية جامعة».
ينتقل مفهوم القومية/ العروبة من كونه غاية أو أداة عند المفكرين السابقين، ليصبح عند بشارة كصيرورة. وعندما يصبح كذلك، لا يصبح بالإمكان النظر إليه إلا بوصفه مركباً من مركبات الحداثة لا يجوز فصله عن مركبات أخرى حسمت جدلية جوهرها كالديموقراطية. إذاً، فـ«القومية العربية صيرورة، والديموقراطية صيرورة أخرى، والحداثة هي الصيرورة الكبرى التي تتفاعل فيها مركباتها تفاعلاً يفضي إلى مجتمع مدني نحو الداخل وأمة نحو الخارج». والحال أن هذا التجاوز ــ كما يرى المؤلف ــ لم يكن ليتحقق، لولا مجادلة بشارة بين جدلية الجوهر وجدلية الوجود لتتحصل «جدلية الجدليتين» التي تفسح المجال لاستعادة الرومانسية التي تمَّ تطليقها في المرحلة العلموية، وتستوعبها بل تجدها ضرورية ضمن عملية التخيل.
رغم أنَّ «تحوّلات مفهوم القومية العربية ــ من المادّي إلى المتخيّل» يعدّ مساهمة جادّة في إعادة ترتيب وتقويم بعض انتقالات الخطاب القومي العربي، إلا أنّه ما زال غير كافٍ لأنّه يُهمل عدداً من المثقفين القوميين الذين كانت لهم بصمات لم يُكشف عنها بعد في تطوّر القومية العربية. مع ذلك، يُحسب للكتاب تركيزه على الآثار الوخيمة التي نتجت من تحويل القوميّة العربيّة إلى أيديولوجيا علمية حداثية بحتة في المرحلة الوسيطة بين البيطار وزريق، ما سنح المجال لتبني الطبقات الشعبية لخطابات الإسلام السياسي الأقرب إلى المخيلة الشعبية. إنَّ أهمية هذا الكتاب تكمنُ في أنّه يقرأ القومية العربيّة كصيرورة، لا كمشروع ينجح أو يفشل، وبالتالي يظهر قابليته لاستيعاب التحولات الاجتماعية الراهنة في الوطن العربي.
* باحث وكاتب فلسطيني