في «من أجل سياسة تنموية عربية: منطلقات مغايرة للطرح النيو ـ ليبرالي» (منتدى المعارف)، يرى الباحث ألبر داغر أنّ أهداف التنمية واحدة أياً كان البلد العربي، وأنّ الأهم اليوم هو اجتراح مشروع بديل من ذاك الذي حاولت المؤسسات الدولية والدول الغربية فرضه على البلدان العربية. يجيب الكتاب عن سؤال مهم تجاهلته ثورات «الربيع العربي»، وهو ماهية المشروع الاقتصادي البديل الذي ينبغي أن يحمله التغيير، وخصوصاً أنّ الفشل الاقتصادي كان وراء سقوط شرعية الدولة العربية السابقة. يستوحي الكتاب تجارب التنمية في اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان بغية نقض الطرح الاقتصادي النيو ــ ليبرالي، وتقديم نموذج بديل للتنمية عربياً. يمكن اختصار الجديد الذي يقدمه الكتاب في ثلاث نقاط: النأي عن الطروحات النيو ــ ليبرالية؛ وتعريف أسباب الفشل التنموي العربي؛ وتعيين مقومات النجاح. في النقطة الأولى، يُظهِر المؤلف عدم صلاحية النظرية الاقتصادية النيو ــ كلاسيكية كمرجعية لتحقيق التنمية.


كذلك يبرز خطل النظرية النيو ــ كلاسيكية لتمويل التنمية؛ فهي تقترح مقاربات على نقيض من التجربة التاريخية للبلدان الصناعية التي عملت الدولة فيها من خلال تشريعاتها ومؤسساتها على «تأميم مخاطر الاستثمار الخاص»، بمعنى تحمّل المجتمع هذه المخاطر مع المستثمرين. فيما يُظهِر تحيّز المقاربات النيو ــ كلاسيكية التي لا ترى إصلاح مؤسسات القطاع العام إلا بالخصخصة. النأي عن الطروحات النيو ــ ليبرالية يبرز أكثر في تفنيد مقاربات المؤسسات الدولية لموضوع التنمية. في ضوء تجارب دول شرق آسيا، يسفّه الكتاب الخطاب النيو ــ ليبرالي الذي تعتمده المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية... تشكّل هذه المؤسسات الطرف المعادي للتنمية في بلدان العالم الثالث، وتبثّ خطاباً حول ضرورة إزالة العوائق التي تعتمدها البلدان النامية لحماية منتجيها، وضرورة انسحاب الدولة من دعم المنتجين. ويوضح أن التنمية في آسيا ما كانت ممكنة لولا تطبيق «نقيض حقيقة الأسعار» أي تدخّل الدولة لتغيير الأسعار وفقاً لمتطلبات التنمية. ويحذّر داغر بلدان العالم الثالث من المقترحات التي تبثها المؤسسات الدولية بشأن حرية المنافسة، وتحاول إمرارها عبر مشاريع التكتلات الاقتصادية الإقليمية. أما عن أسباب فشل التجربة العربية، فيعرض داغر تجربة «استبدال الواردات» في العالم الثالث استناداً إلى كتابات الاقتصادي هنري بريتون، ويعيّن فشلها في امتناع هذه البلدان عن متابعة «تصنيعها المتأخر» عبر إنتاج سلع صناعية، وتفضيلها استيراد تجهيزات بكلفة مخفوضة، وإنتاج سلع استهلاكية ومعمَّرة تباع في السوق الداخلية المحميّة. أخيراً، يرى داغر أنّ مقومات النجاح تقضي بأخذ «نقيض حقيقة الأسعار» كمبدأ ناظم لمشروع التنمية، أي تشريع تدخل الدولة واعتماد سياسة جمركية تؤمن الحماية للصناعيين؛ وسياسة تكنولوجية تدخلية تقوم على توفير ريوع للمؤسسات الصناعية لتمويل «التعلّم والتمرين» اللذين تتنكّب لهما. هكذا، يقدم الكتاب أساساً لطرح اقتصادي بديل قد تحمله القوى العلمانية والقومية التي تناضل للحفاظ على الدولة المدنية، وترى للدولة دوراً أساسياً في قيادة مشروع التنمية.