تقول العرب إنّ للعبقريّ جلالاً وتفوّقاً استمدّهما من قريةٍ تسكنها الجنّ. ولشفيق معلوف قصيدة شهيرة باسم «عبقر» ما زلتُ أذكر غلاف كتابها ورسومه الداخليّة وورقه الأصفر الفاخر، وكنت في السابعة من عمري وطريح الفراش. وقع الكتاب المُهدى إلى والدي بين يدي وقوع الصاعقة في فنجان، فأذهلني عنوانه ورسومه ولون ورقه وكلمات استطعتُ أن أفهمها وكانت كافية لإغراقي في انخطافي وإطلاق العنان لموحياتٍ غامضة في نفسي الطريّة المفطورة على العَجَب والقلق. ومن العوامل التي روّجت لهذه القصيدة المهجريّة ترويجاً كان المقصود عكسه، مقالة أنطون سعاده النقديّة (يتضمّنها الجزء الأوّل من «الأعمال الأدبيّة») حيث نوّه سعاده بـ«مؤهّلات الناظم للصعود فوق العواطف والانفعالات العارضة أو الفطريّة ولتناول المواضيع الإنسانيّة المتعلّقة بصفات الإنسان الجوهريّة الباقية»، وبـ«خياليّة القصيدة» وبأنّ «الخيال فيها مربوطٌ بالعقل»، وبأنّ الفكر «لم يُهْمَل لتُترك العاطفة على سجيّتها»، مُلاحظاً خلوّ هذه الشاعريّة «من النظرة الفلسفيّة إلى الحياة والكون والفنّ القادرة على التأسيس أو البناء لحياة أسعد حالاً وأبقى مآلاً». كما انتقد مؤسّس الحزب القومي انجذاب شعراء كسعيد عقل في «بنت يفتاح» وشفيق معلوف في «عبقر» إلى أساطير من خارج التراث السوري، الزاخر بالأساطير. ومعروف اليوم أنّ بعض علماء الآثار والمؤرّخين يردّون أصول جوانب من التوراة إلى الآداب والأديان السومريّة والكلدانيّة والآشوريّة والبابليّة، فضلاً عن المصريّة والفارسيّة، وأنّ كثيراً من روايات الخَلْق، كالتكوين والطوفان والهجرات والحروب والحكايات الرمزيّة والتعليميّة، مختلطة الجذور تناقلها مؤلّف عن مؤلّف وحضارة عن حضارة. ألحان الترانيم المسيحيّة من عهد مار افرام السرياني تستلهم مَن سبقه ومَن سبقه يستلهم مَن سبقوه كما شرح لنا الأب يوسف طنّوس والأستاذ مايك حوراني في برنامج «أجراس المشرق» الذي يقدّمه الباحث غسّان الشامي أسبوعيّاً من قناة «الميادين». ولو أراد مؤرّخٌ أن يظهر الروابط، حتّى لا نقول الأصداء، بين الأديان منذ ظهور طلائعها وتطوّر مذاهبها لأثار عليه الغضب على الأقلّ. لكنّها روابط مؤكّدة، وبعض الأديان ينقل عن بعض، أو يجادل أو يناهض البعض الآخر، وما نحسبه هنا ميزة ونقدّسها ليس إلّا نسخاً منقّحاً عن أصل هو بدوره حلقة من سلسلة أو اقتباس محليّ لأصل أعرق.

خرجنا من الموضوع.

■ ■ ■


العبقريّة معطى مخلوق، يمكن إنماؤها بالصقل ولا يمكن اكتسابها ولا تقليدها.
العبقريّة ليست «جيلاً». الوثبة الصناعيّة جيل، الاكتشاف الكهربائي جيل، النووي جيل، الالكتروني جيل، إلخ. وفي سماء كلّ واحدٍ من هذه الأجيال تتجلّى عشرات ومئات وألوف من الإشراقات، غير أنّها كشوفٌ تتولّد من سياقٍ عام أو هو لا يلبث أن يصبح عامّاً، بينما العبقريّ معزول والعبقريّة لا تُنتج بالضرورة عبقريّات. هناك مراحل نهضة كعصر الانبعاث في التصوير والنحت أو حقبة ازدهار الموسيقى الكلاسيكيّة منذ باخ حتّى فاغنر ودوبوسي، لكن ولا مصوّر يمكن أن يقف في موازاة دافنشي ورافاييل وميكل آنج ولا مؤلّف موسيقي يحتمل المقارنة بباخ وموزار وبيتهوفن. الشعر كذلك: قد تنقضي عصور قبل أن نشهد مثيلاً لشكسبير، لدانتي، لكورناي وراسين وهوغو وبودلير، وقبلهم لأصحاب الشاهنامة والألياذة وكُتّاب الأساطير والتوراة. وقد لا نشهد أبداً. العبقريّة كواكب خارج المدار، ولقد انقضى عصر الآلهة لكنّهم هم لم ينتهوا. حوّلوا هويّاتهم وسكنوا، كما فعلوا دوماً، في عقول العباقرة.

■ ■ ■


يقال عن عبقري إنّه قوّة من الطبيعة (مثل بركان أو شلّال). ذلك كان تحديد عمانوئيل كانط. لا يقلّل كانط من دور القواعد غير أنّه يشدّد على العفويّة التي يطلّ بها الأثر الفنيّ، حيث يبدو الأثر، لفرط تناغم التقبُّل معه، حركة طبيعيّة. كأنّه غَرَضٌ كان تائهاً يتشوّق إلى اليد التي ستلقي القبض عليه. هذه اليد هي كفّ العبقريّة.
العبقريّةُ لقاءُ الكامن بالعابر. معجزةٌ أكثر ما نشعر باستثنائيّتها بعد أن يموت صاحبها.
كلمةُ معجزة ليست في تعريف كانط، بل هي من قاموسنا الرومانسي. كانط يطلق على الأثر الفنيّ الخارق تسمية «القيمة النموذجيّة»، أي أنّه يغدو مقياساً للتقييم، مقياساً ملهماً ومثالاً يُحتذى.

■ ■ ■


كما يُعتقد أنّ نشاط العبقريّةِ مرتبطٌ بفائض الطاقة، فتّاحةِ الدروب ومستقطبة التلامذة والمقلّدين. لا شكّ. ثمّة أيضاً عبقريّات باردة، برود السيطرة الواعية على غَلَيان اللاوعي.
مثلاً: بروتون قصيدة «الزواج الحرّ»، (أو «الاتحاد الحرّ»)، إيلوار الجمرات الهادئة، آراغون السوريالي وكذلك الكثير من الشيوعي، وقبلهم رمبو في طور المزج بين السمّ والأريحيّة وقبله بودلير الباسط وعيه كالبازيّ فوق دماغه الفريسة. الحماسة تتوارى أحياناً وراء الحرّاس.
العبقريّ لا يخلو من الساديّة مهما تَصفّى. في كلِّ تَمَكُّن، في كلّ قدرة نبذةُ ساديّة. هذه هي الطبيعة. النسيم نفسه يُحَرْقص الوردة، الوردة تُهدّدك بقرب ذبولها، والدعاء يهمس لصاحبه أنّه قد لا يُستجاب.

■ ■ ■


للبعض عبقريّات وهُم ليسوا عباقرة بالمعنى الأكاديمي. هناك مواهب عبقريّة وأصحابها، خارجها، أشخاصٌ عاديّون. عازفو كمنجة أو بيانو، أطبّاء، مهندسون، مخرجون، ممثّلون، لصوص، حكّام. حتّى العبقريّ الخلّاق «الكامل» بالمعنى الأكاديمي أو الأصحّ بالمعنى الأسطوري، له جوانب عاديّة كسائر البشر، وربّما أعوزته فضائل إنسانيّة عديدة. العبقريّةُ موهبةٌ إبداعيّة لا نموذج سلوك.

■ ■ ■


تتفاوت العبقريّة في الشخص الواحد: تارةً يحلّق وطوراً يهبط. السهل المنبسط استراحة وليس مغامرة. الحياة العاديّة حياة عاديّة. العبقريّة بين العقول كالأرز بين الشجر. أحياناً الحَوْر أحلى، يدغدغ فيك الهمس، لكنّك لا ترى خلاله أكثر من ضوء القمر. ضوء القمر بديع لكنّه ليس أغوار النفس ولا سطوع الشمس، هو وجهٌ لطيفٌ من وجوه الغموض يستثير فينا الغناء ورغبة العناق ولا يذهب بنا في الغابة المخيفة الهائلة الغموض الحارسة ألغاز الحبّ والوحشة والموت.
لهذا يتعبنا العبقريّ بعض الأحيان. من العسير مطالعةُ شكسبير كلّ يوم. ولا التوراة أو كورناي. ولا المتنبّي وأبو تمّام وألف ليلة وليلة. هؤلاء وأمثالهم غابات. دانتي وميلتون وراسين نيرانٌ على عَلَم. الماركي دو ساد سلطان شرّه. شاتوبريان ولامارتين وموسّيه وهوغو وبودلير ورمبو ولوتريامون ودوستيوفسكي وتولستوي وتشيكوف وشوبنهور وغوته وشيلر ونيتشه وفاليري وبروتون وآراغون وإيلوار وأرتو يحرقون العيون شغفاً والأصابع حسرة. العباقرة محسودون مكروهون. أشدّ مَن يبغضهم الأدباء وحَمَلَةُ الأقلام، كما يُسمّون. والحقّ معهم. لم يدع أولئك الجوارح والضواري ذرّةً إلّا نبشوها ولا مغارةً إلّا ارتادوها. لم يتركوا لنا إلّا الفتات. نهبوا المسافات فاردينَ الأجنحة العملاقة فوق الأرض. وكلّما مرّوا في زمن تركوا ما بعده يتيماً.
إلى حين، نحبّ أن نقول.
... ولا نُقدِّرُ أهميّة هذا الحين، عندما يحين، إلّا بعد رحيله.



استـــــدراك

في مقال «تداعيات فنيّة» الما قبل الماضي فاتني التنويه بالأستاذ فارس يواكيم الذي كتب لشوشو مسرحيّات أشهرها «آخ يا بلدنا» التي أخرجها روجيه عسّاف. كما فاتني التنويه بالممثّلين رفعت طربيه، جوزف طرّاب، منير غاوي، سعد الدين مخلّلاتي، رضا كبريت، أنيس سماحة، بين مسرحيّي ما قبل الحرب الأهليّة اللبنانيّة. فعذراً.
لفارس يواكيم صدر حديثاً عن دار رياض الريّس كتاب «حكايات الأغاني _ رحلة القصيدة من الديوان إلى الأغنية»، وهو يروي عن قصائد عربيّة لم تُكتَب خصّيصاً للغناء إنّما اختارها ملحّنون أو مطربون ومطربات من كتب الشعراء وغالباً ما حوّروا فيها أو حذفوا منها. وقد أثبت يواكيم النصوص المعدَّلة ومعها النصوص الأصليّة. ومن المفارقات أنّ ما عدّله الأخوان رحباني في نصوص «النبي» لجبران أو في قصائد أبي نواس والأخطل الصغير وسعيد عقل جاء «أصفى» من الأصل.
ويكشف الكتاب عن أسماء أصحاب قصائد شاعت مُغنّاة ولم يعرف الناس أصحابها، كما يكشف عن هويّات ملحّنين ضاعت أسماؤهم لأنّ الإذاعات والشاشات والصحف لم تكن تعبأ بها. وربّما فات المؤلّف (ولعلّي مخطئ ومقصّر في التدقيق) إدراج قصيدة «جلنار» لميشال طراد بين ما لحّنه الرحبانيّان وغنّته فيروز، وقصيدة «رح حلّفك بالغصن يا عصفور» لميشال طراد أيضاً وتلحين الرحبانيين وغناء وديع الصّافي. وهذا على كلّ حال لا ينفي بالطبع كون الكتاب عصارة ممتعة لجهد كبير.