الجزائر | في الوقت الذي كانت فيه المناضلة الشهيرة جميلة بوحيرد تعالج في باريس، احتفى المسرح الجزائري بـ «جميلات» بلد المليون شهيد، معيداً التراجيديا التي عاشتها المجاهدة الجزائرية وقريناتها من تعذيب وتنكيل واغتصاب زمن الثورة الجزائرية (1954ــ 1962). «جميلات» عرض مسرحي مزج بين الشعر والموسيقى والرقص الكوريغرافي، وكانت القضبان والظلام الديكور الذي ميّز هذا العمل الذي حاول إعادة صوت المرأة المغيّب عن المجتمع والسياسة.


«الجميلات» هكذا اختارت المخرجة سكينة مكيو (المعروفة باسم صونيا) والمؤلفة نجاة طيبوني أن يكون عنوان العرض رغم استهلاكه أدبياً وفنياً وتاريخياً. إلا أنّ عنوان العمل الذي يقدّم تحية إلى نضال المرأة الجزائرية إبان الاستعمار الفرنسي، يعدّ الأنسب لصونيا، التي عادت إلى الخشبة بعد نجاح عرضها الأخير «الشهداء يعودون هذا الأسبوع». هذه المرة أيضاً، لم تخرج صونيا عن اللون الرمادي في توظيفه كديكور أساسي لعملها. أضواء خافتة وظِّفت في العرض، فيما كانت الممثلات الخمس (لينده سلام، ليديا لعريني، رجاء هواري، وأمال مخلوف، ومونى بن سلطان) بثيابهن الرمادية الممزقة يتنقّلن بين قضبان منصوبة وسط الخشبة ويحركنها كقطع شطرنج على وقع سرد حكائي، حيث تتوالى كل بطلة للحديث عن تجربتها النضالية ومعاناتها داخل سجن «سركاجي» الذي شهد اعتقال وتعذيب النساء المجاهدات، وخصوصاً المحكوم عليهن بالإعدام.
المسرحية (أنتجها مسرح «عز الدين مجوبي» في عنابة) التي تجوب أغلب المدن الجزائرية، لقيت تجاوباً كبيراً لدى حلولها على المسرح الوطني في العاصمة، حضرتها كبيرات المجاهدات الجزائريات اللواتي حُكم عليهن بالإعدام من قبل الاستعمار الفرنسي من بينهن: زهرة ظريف، ومريم زرداني، وكلودين شوليه، لكن غابت عنه جميلات الجزائر الثلاث: جميلة بوحيرد، جميلة بوباشا، جميلة بوعزة، اللواتي أوحين للمسرحية عنوانها. اختارت هؤلاء العزلة منذ 50 عاماً، باستثناء جميلة بوحيرد التي عادت في السنوات الأخيرة لحضور بعض التظاهرات الثقافية والمشاركة في تظاهرات الأطباء والتظاهرة المناهضة لقطع الأشجار في أحد الأحياء الراقية في العاصمة.
وإن علا صوت الممثلات في العرض، إلا أنّ المبتغى كان التشديد على دور المرأة في الثورة الجزائرية، ومساءلة أسباب تغييبها عن المشهد السياسي بعد الاستقلال. لم تتبوأ مناصب حساسة، بينما أدى المجتمع الذكوري دوراً في قمع وجودها اجتماعياً وما تبعه من مخلفات التطرف الذي عاشته الجزائر خلال العشرية السوداء. صرّحت صاحبة النصّ نجاة طيبوني: «لقد ضحّى الرجل مع المرأة من أجل حرية الوطن، حتى قبل الثورة الجزائرية. قادت النساء المقاومة الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي منذ دخوله عام 1830، من بينهن لالا فاطمة نسومر التي قادت مقاومة الزعاطشة الشهيرة، وتقاسم علي لابوانت نضاله مع حسيبة بن بوعلي واستشهدا معاً. والمستعمر حكم بالإعدام من دون أن يفرّق بين الرجل والمرأة». وأضاف الناقد فتح النور بن براهم لـ «الأخبار»: «مسرحية «جميلات» وقفة اعتراف وتقدير وشكر لكل جميلات الجزائر اللواتي ضحين من أجل أن تحيا الجزائر حرة مستقلة. بقدر احترامنا لمسار المجاهدات، ابتهجنا بالأداء البارع للممثلات اللواتي جسدن دورهن بكل إبداع وتأثر، وبالرؤية الفنية لصونيا التي لم تكتف بإخراج العمل ركحياً، بل أضفت عليه روحاً، كرمت من خلاله كل شهيدات الثورة ومجاهداتها».
العرض الذي دام 50 دقيقة، ولعب على الإيقاع الموسيقي، والحركة والخطاب الشعري حوى اسقاطاً للثورات العربية عبر استذكار نساء الربيع الجزائري وشهيدات الديمقراطية اللواتي كنّ ضحية الإرهاب من كاتبات، وصحافيات، وفنانات، وناشطات وحقوقيات.




الشهداء يعودون

أخرجت صونيا النسخة الثالثة من «الشهداء يعودون هذا الأسبوع» بعد تجربتي المخرج الزياني شريف عياد السابقتين خلال الثمانينيات. عرضت «الشهداء يعودون هذا الأسبوع» للمرّة الأولى في تشرين الأول (أكتوبر) 2011 ضمن «المهرجان الدولي للمسرح المحترف» في الجزائر. المسرحيّة المقتبسة عن رواية الطاهر وطار بالعنوان ذاته، قدّمها 15 ممثلاً شاباً ونخبة من الممثلين القدامى. وقد حرصت صونيا على أن تكون المسرحية قريبة من النص الأصلي (1974) الذي ينتقد أحادية الحكم والفكر، وديكتاتورية الأنظمة العربية واستبدادها، والمتاجرة بدم الشهداء ومبادئ الثورة.