يذكر السوريون جيداً صباحات طفولتهم في مدارس «البعث»، عندما كانت تصطف طوابير تلاميذ لا تتجاوز أعمارهم ست سنوات ويردّدون بصوت واحد شعارهم الصباحي: «رفيقي الطليعي كن مستعداً لبناء المجتمع العربي الموحد والدفاع عنه»، لترهق العبارة المدججة براءة الأطفال وتثقل غضاضتهم من دون أن يتلكأوا بالردّ بصوت واحد «مستعد دائماً». ذاك المشهد وغيره تكرّر لسنوات طويلة حتى جعل أيام السوريين كئيبة يشوبها القلق الدائم لمجرّد ذكر كلمة سياسة من دون أن يفارقهم الهلع من فروع أمنية لا يردعها أحد عن البطش.


لكن يبدو أنّ «الربيع العربي» الذي تعصف رياحه بعاصمة الأمويين منذ سنتين، أنتج مسخاً مشوهاً عن تلك الصورة حتى صار كثيرون يترحمون على أيام «البعث». بداية المسرحية الرديئة انطلقت مع هتاف يتوعد الأقليات بالتصفية والتهجير. هكذا، صدحت الحناجر بصوت واحد لتردد «المسيحية على بيروت والعلوية ع التابوت»، وسرعان ما أراد «الأحرار» نفي التهمة، فخرجت هتافات تحيي «العلوية والشيعة والمسيحية والدروز» من دون أن يعي صاحب الهتاف أنه يقع في شرك الطائفية. لكن من باب آخر، ظل بعض الناشطين الذين يقدّسون «الثورة» يحاولون سدّ الفجوات واحدة تلو أخرى. تارة يهاجمون دخول إعلام الكيان الصهيوني إلى مدينة إدلب، وطوراً يردون على بيانات جبهة «النصرة» وأفعالها وإعلانها أنّ الثورة قامت من أجل إحقاق العدل ونشر الشريعة وإقامة نظام إسلامي.
لكن الصوت ظلّ عالياً على شفاه الأطفال مرة جديدة. قبل أيام، انتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي ويوتيوب، يظهر طفلاً سورياً في قرية «بنش» في ريف إدلب، لا يتجاوز الثامنة يعتلي أكتاف مجموعة من الرجال الملفحين بالرايات السوداء وأعلام «القاعدة» و«النصرة». بينما يهتف الطفل: «شيخنا الجولاني قد أعلن الراية، أميرنا الملا عن دينو ما تخلّا، كل الجنود بايعوه أرواحهم لله». ثم تتصاعد هتافات التحية وترتفع وتيرة الأداء عند الطفل وهو يتباهى مردداً «دمرنا أميركا بطيارة مدنية، برج التجارة غدا كومة ترابية» ثم يختم بالكارثة الحقيقية: «شرطة نصيرية صبراً يا علوية بالذبح جيناكم دون اتفاقية دعوة إلهية» ويستطرد حتى لا يفلت أحداً، فيقول: «ومنحمي هالضيعة، بنش ما منبيعا، رح نذبح الشيعة بكفريا والفوعة» وهما اسم قريتين أبناء من تلك الطائفة.
طبعاً، تأخذ الحماسة الطفل عندما يهدد بالذبح ويشير بيده كأنه يذبح فعلاً. وسرعان ما يعطيه أحد «المجاهدين» حوله سكيناً، فتسهل المهمة ويكمل الأغنية التي لا ينهيها إلا بدعوته للتكبير. رغم قساوة المشهد والحقد الطائفي الذي يعيث خراباً ببراءة هذا الطفل، إلا أنّ وجهه كان الأصدق بطريقة قد تجعل مُشاهد المقطع يتعاطف مع هذا الطفل الذي أفلت من مدارس البعث وشعاراته الجامدة فوقع في فخ جبهة «النصرة» التي لطّخت طفولته بوعيد من الدماء والتصفية الطائفية. ليفرح السوريين بثورتهم ومنجزاتها وبجيل قادم تربيه «النصرة» على ذبح الأقليات.