يعوم معرض جميل ملاعب في «غاليري جانين ربيز» على طبقات متعددة في تجربته الطويلة التي أنجز فيها موضوعات مختلفة. ما نراه هو خلاصات تلك التجربة المدعوَّة إلى طموحات شخصية جديدة. كأنّ اللوحات الـ 14 المعروضة تستبطن أسئلة سابقة وراهنة ومستقبلية لا تزال حاضرة في استجابات تشكيلية متنوعة. هناك فلسفة ذاتية وراء هذا النوع من الرسم الذي تمتزج فيه الغنائية مع التجريد، والتعبيرية مع التشخيص الواقعي، والأشكال الهندسية مع الفسحات الريفية المفتوحة، والحياة المدينية مع مشهديات الطبيعة.


الرسم يتحول ممارسة لونية وصوفية وفكرية في آن، بينما تصبح الموضوعات ترجمات بصرية ولونية قاصرة عن نقل الحمولة التأملية والفكرية كلها إلى المساحات المتاحة على القماش، ما يجعل الرسم عملية مستمرة للقبض على هذه الترجمة الكاملة. هكذا، فمعرضه «أبجدية الواقع» أشبه بتنويع على مقارباته الفنية في الفترة الأخيرة، مع إضافات ومراجعات داخل اللوحة الواحدة، وبين اللوحات المتجاورة زمنياً في إنجازها. وفي هذا السياق، ينتبه زائر المعرض إلى طغيان اللوحات ذات القياس الكبير التي تشبه جداريات مصغرة يشتغل فيها الرسام اللبناني المخضرم على تفاصيل هندسية وخطية متناهية في الصغر. هناك مزاج مينيمالي على نقش وزخرفة مساحات واسعة بلطخات لونية صغيرة ومتلاصقة مع خطوط وأشكال صغيرة من الحجم نفسه. قد تكون اللوحة مربعة أو مرئية من الأعلى أو ممددة عَرضياً، وقد يكون عنوانها «ضيعة الأحلام» أو «يوميات الريف» أو «لبنان قبل الباطون»، لكن ذلك لا يغيّر جوهرياً في المبدأ الذي أنجزت به هذه الأعمال، ولا يغيّر انطباعات المتلقي أيضاً. كأن العناوين تأتي لاحقاً على الولادات المتواصلة للوحة، أو هي تحصيل حاصل لتأملات الرسام وهويته المبثوثة هنا وهناك. نتأمل هذه الأعمال التي تذكّرنا بفناني الفسيسفاء في تاريخ المنطقة، ونقول هذا فن مشرقي وإسلامي، وإن ثمة انشغالاً بأسئلة الهوية والماضي والبيئة، ولكن هذا لا يلغي التفكير بطبعاتٍ معاصرة وحديثة لهذه الهوية. نستطيع تخيّل اللطخات المتلاصقة على شكل شبابيك ميكروية صغيرة، وقد يكون تكرار هذه الشبابيك منفذاً إلى مزاج تصوفي يأخذ صاحب اللوحة وجمهورها إلى نوع من النشوة اللونية القريبة من مقام النيرفانا. ربما تكون هذه الممارسات قديمة وغير مغرية للتجارب الجديدة والأسماء الشابة، لكنها لا تزال مادةً أساسية في مدونة ملاعب المنتمي إلى زمن اللوحة وتقاليدها التي باتت تتعرض للنقض والازدراء من المقبلين على الفنون الحديثة وما بعد الحديثة. ثمة حنينٌ شخصي وتاريخي مسفوح بسخاءٍ في هذه الأعمال التي يمكن تصنيفها في باب التجريد الهندسي المكسور بغنائية خافتة، ولكنها تحمل مقترحاً برؤيتها بتقنية عين الطائر أيضاً، حيث يمكن التلذذ بتلك المربعات الهندسية الصغيرة كصور لأبنية ومساحات مدينية ملتقطة بعينٍ سماوية عالية، أو حقول وأمداء ريفية ملتقطة بالطريقة ذاتها. إلى جوار هذه الجداريات المتقشفة في اللون، والمتكررة الأشكال، يعرض ملاعب أعمالاً يحضر فيها التشخيص العادي، كما هي الحال في «بهيجة» و«سميرة وأخواتها» و«مهى» التي تبدو استجابات لمعارف وأقرباء الرسام، لكنها ليست بورتريهات دقيقة ومطابقة للأصل طبعاً. إنها مناسبة شخصية، ولكنها فرصة لممارسات تشكيلية أيضاً. هكذا، تكتسي ملامح النساء في هذه اللوحات نكهة غوغانية، وتحظى خلفيات الأجساد بلطخات عريضة تذكّرنا بمرجعيات انطباعية عديدة، بينما تبقى لوحة تجريدية وحيدة بعنوان «انتظار» لكرسي أصفر متروك أمام زرقة بحرية شاسعة. كأنها تختزل انتظار الرسام وأسئلته الوجودية منذ البدايات حتى الآن.




«أبجدية الواقع»: ــ حتى 26 الجاري ــ «غاليري جانين ربيز» (الروشة) ــ للاستعلام: 01/868290