يبدو جلياً أنّ أوليفييه أساياس (1955) ماضٍ في نقد كل حركة ثورية عصفت بالمجتمعات الأوروبية ذات ربيع. بعد فيلمه الشهير «كارلوس» (2010) الذي قدّم نظرة منحازة ضد المناضل الثوري الذي هزّ عرش أوروبا، ها هو يقدم اليوم «بعد أيار» (2012) الذي يحوي نقداً للحركة اليسارية في أوروبا خلال نهاية ستينيات القرن المنصرم، مبرراً بشكل او بآخر المكارثية التي هاجمت المدّ الشيوعي في الولايات المتحدة وانتقلت تدريجياً إلى القارة العجوز.


الفيلم عرضته «متروبوليس أمبير صوفيل» قبل الافتتاح الرسمي لأسبوع مخصص لأفلام أساياس تحت عنوان «دورة أوليفييه أساياس: شباب وفوضى ومُثُل». لكن الشباب هنا هو الشباب الثوري الذي يزعم أوليفييه أنّه كان جزءاً منه، والفوضى هي بمعناها الهدام الذي لطالما اتُّهم بها تروتسكيّو اليسار الأوروبي، وليست المثالية سوى العبارة التهكمية ليوتوبيا حلم فيها الشباب بما تمثله من عدالة اجتماعية. يتحدث الفيلم عن قصة شاب متمرّد يعتنق أفكار اليسار ويؤمن بقدرته على تغيير العالم، ويقرر أن يلجأ الى الرسم والسينما ليعبّر عن نفسه ويدافع عن قضيته. يجد نفسه في شبكة من العلاقات المرتبكة بين رفاقه. منهم من اختار الفن سبيلاً، ومنهم من جنح إلى العمل المسلح مركزاً على الفوضى «غير المسؤولة» التي كانوا يعيشون فيها، فيندمج النضال بالحب وبالتمرد على الذات كمقدمة للتمرد على المجتمع. على مدى ساعتين وثلاث دقائق، يتعرف المشاهد إلى حياة شباب اليسار وقيمهم ومثلهم، بنظرة لا تخلو من المبالغة. ذلك أنّ أساياس بنى التجربة من مراهقين آمنوا بأنّ اليسار نمط حياة، فصوّر ذلك النمط بالفوضى والمخدرات والتمرد على النظام، مجرّداً إياه من قيمه وثورته المحقة على النظم «الامبريالية» التي كانت تعصف بالقارة العجوز. مع ذلك، فالمبالغة لم تكن منفرة، بل طعّمها المخرج الفرنسي المتحدّر من خلفية نقدية (كان ناقداً سينمائياً قبل أن يحترف الإخراج) بنوع من النوستالجيا التي تذكّره بشبابه ربما، فاشتغل باحتراف على إعادة صياغة ذلك المجتمع. بدا واضحاً أنّه كان من هذا الجيل ومتبنياً أفكاره ولو تخلى عنها لاحقاً. من الممتع أن نرى كيف اشتغل بصدق على روح الشباب وكيف نقل نمط عيشه وتطلعاته وحماسته بانياً عالماً متكاملاً على خصوصيات العالم الذي ينتقده. يستطيع المشاهد بوضوح أن يشعر بوجوده خلف الكاميرا لا سيما في بعض اللقطات التي أرادها أن تتحرك كأنّها إحدى شخصيات العمل. أما باقي الشخصيات، فلا بطولة مطلقة لأي منها. البطولة هي للمجتمع الذي حبك خيوطه بتراخ مقصود يخدم فكرته، فكل شيء جميل في هذا العالم وكل جميل مرتبط بالضياع وصولاً الى «الوعي» الحتمي الذي يفترضه، وهو «الوعي» الذي اتخذه أساياس خياراً له، فتنفك حلقة الانتماء ليبحث كل شخص عن الانتماء لتسقط اليوتوبيا. تلك النظرة النقدية للشباب لا تظهر في فيلم «بعد أيار» فحسب، بل في معظم الأفلام الخمسة التي تعرض لأساياس في احتفالية «متروبوليس». سيلقي الجمهور اللبناني نظرة قريبة على أعماله وأفكاره، بدءاً من فيلم الافتتاح «الماء البارد» الذي عرض ضمن أفلام «نظرة ما» في «مهرجان كان السينمائي» وشكل سيرة ذاتية للمخرج، بعدما طعّمه بشذرات من مراهقته الخاصة. يتحدث الشريط عن زميلي دراسة مراهقين عايشا الهواجس ذاتها كانفصال والديهما وسعيهما للبحث عن وجود ما خارج العائلة. على أن يعرض Irma Vep (1996) مساء اليوم ويتحدث عن مخرجة تنوي إعادة انتاج فيلم قديم عن مصاصي الدماء لتقع في دوامة من النقد الصحافي الذي يشتت عملها.
وغداً، يعرض «المصائر العاطفية» (2000) المقتبس عن رواية جاك شاردون بالعنوان نفسه (شاردون هو الكاتب المفضّل لفرنسوا تروفو أيضاً). تدور الحبكة حول الطبقة الصناعية التي كانت أبرز من عانى من نتائج الحرب العالمية وشكل الشريط العلامات الفكرية الأولى التي ستطبع أفلام أساياس لاحقاً. فيما يُعرض «الساعة الصيفية» (2008 ــ 27/2) الذي ينتمي إلى دراما العائلة ويروي قصة أشقاء يحاولون إعادة بناء ذكرياتهم ضمن تشريح اجتماعي للأخوة في العائلة الواحدة. وبدءاً من الخميس المقبل، يعرض «بعد أيار» في «متروبوليس» حتى 28 الجاري. أساياس الذي يعرف كيف يثير شغب الأفكار ويلعب على حبلي الصدقية والمبالغة، سيكون نجم الحياة السينمائية البيروتية هذا الأسبوع، فهل تنجح أفكاره في إثارة صدى لدى جمهوره في لبنان. تجربة «كارلوس» قبل سنتين نجحت تماماً في ذلك وأشعلت جدلاً لم ينته حتى الآن!

«دورة أوليفييه أساياس: شباب وفوضى ومثاليات»: 8:00 مساء حتى 27 شباط (فبراير) ــ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية ـ بيروت) ــ للاستعلام: 01/204080




«كارلوس» الإشكالي

لدى عرضه ضمن «أيام بيروت السينمائية 6» عام 2010، خصّصت «الأخبار» ملفاً عن فيلم «كارلوس» لأوليفييه أساياس وأجرت مقابلة هاتفية مع المناضل الشهير في زنزانته الانفرادية في سجن «بواسي» الفرنسي (الأخبار 16/9/2010). يومها، قال إنّه بعد الاطلاع على السيناريو، صاغ مرافعة طويلة، تقدّم بناءً عليها بدعوى قضائية للمطالبة بحذف المغالطات الكثيرة التي عدّها تشويهاً متعمّداً لسيرته وسمعته. لكنّ المحكمة الفرنسيّة ردّت طلبه مرّتين باسم حريّة التعبير. واعتبر كارلوس أنّ الشريط «يتعمّد الأكاذيب والإساءة تجاهي وتجاه رفاقي. إنها ألعوبة حُبكت بأيدي الأجهزة الصهيونية والأطلسية، وأساياس مجرد موظف صغير في هذا المشروع». وفي الملف نفسه، كتبت الممثلة اللبنانية دارينا الجندي أنّ الشريط «ليس فيه معلومة واحدة صحيحة في ما يتعلّق بعاصم الجندي سوى اسمه»، معتبرة أنّه شوّه اسم والدها.