في شقة تعلو ٨٠ درجة عن الشارع العام، تسكن عائلة صغيرة مؤلفة من الجنرال المتقاعد أحمد (فائق حميصي)، وزوجته لميا (رائدة طه)، وأخته فايزة (لينا أبيض). للزوجين ابنة وحيدة تدعى ليلى (نزهة حرب)، بينما منير (علي منيمنة) يدير شؤون المنزل، أو بالأحرى ينزل ويصعد الدرجات الثمانين مراراً في اليوم الواحد لتلبية رغبات أهل البيت. على المسرح زوايا أو ثلاث ممالك تتوزع فيها الشخصيات.


إلى اليسار، كنبة مع طاولة مليئة بعلب الأدوية الخاصة بفايزة، التي تهدد بالرحيل عن البيت كلما أزعجتها لميا. الأخت لم تتزوج، لكنّ عزاءها يكمن في مفخرتها بأخيها وبلكنتها الفرنسية الأصيلة. في الوسط، في خلفية المسرح، يُمضي أحمد المتقاعد معظم وقته في البانيو. منذ أن أصبح النادل في الحمام العسكري يناديه بـ «أبو ليلى»، قرر الاعتكاف في البيت، مرتدياً روباً فوق بوكسر، ساهياً في وحدته، أو محاولاً إرضاء زوجته تارة وأخته طوراً. أما إلى يمين المسرح، فتتربع لميا على السرير الزوجي، الذي تحوّل شاهداً على موت حياتها الجنسية منذ اعتكاف زوجها الحياة والجنس. مع شعرها المصفف دائماً، تنظر في مرآتها وتتحسر على جمالها وصباها، طالبة أن يُكتب يوم مماتها على ورقة نعوتها: «المأسوف على جمالها». تلك هي شخصيات وسياقات «٨٠ درجة»، التي كتبتها رندة الخالدي، وأخرجتها علية الخالدي. مسرحية تنحصر في يوم واحد داخل تلك الشقة، لكنّه يوم خطبة الابنة الوحيدة ليلى، حيث يُفترض أنّ الجميع يستعدّ لاستقبال العريس. أسلوب كلاسيكي يعتمد على العنصر الخارجي لتأطير الحبكة الدرامية. زيارة من خارج المسرح، من أهل العريس لطلب يد الابنة. تأطير يكتمل مع وحدة المكان والزمان طوال العرض. أما العنصر الخارجي، فسوف يحوّل يوماً عادياً في حياة الشخصيات الموجودة على الخشبة إلى نهار مميز، فتُخلق الدراما. الشخصيات تتشارك ماضياً (وحاضراً) معقداً مليئاً بالحب كما بالبغض، ما يسهل ــ تحت ضغط المناسبة ــ انفجار الأحاسيس والذكريات المضحكة والمؤلمة. هكذا، يجري استعراض الشخصيات، والسياق العام والخاص في القسم الأول من العرض، وتنجلي دينامكيات العلاقة بين الشخصيات الرئيسية الثلاث: الزوجان والأخت. حوارات ومونولوغات تساعد على الغوص عميقاً في تفاصيل كل شخصية، وأحاسيسها ومشاعرها واعترافاتها. رائدة طه تؤدي مونولوغاً متقناً تفضح فيه سراً زوجياً، وفائق حميصي يصف زوال سطوته كضابط، ولينا أبيض تفتح صندوق فايزة لتخرج منه العنصر الدرامي، الذي سيقلب إيقاع المسرحية.
حتى تلك اللحظة، يسير العرض بسلاسة التركيبة المحكمة للنص، وبراعة الممثلين. تشدُّ المسرحية الجمهور في طرحها تفاصيل حياتية مرتبطة بثلاث شخصيات مختلفة على المسرح، لكن إشكالية كل شخصية تحمل في ضمنها احتمال تحولها إلى موضوع يمسّ أي مشاهد في الصالة، إذ إنها تجسّد معضلات أبديّة: التقدم في السن والتقاعد والزواج والحياة الجنسية والغيرة، ما يسهل تماهي المشاهد مع الشخصيات والتعاطف معهم والتعلق بهم. في المسرحيات المبنية على حبكة واقعية، لا بد من أن تتوافر تلك العناصر كي يكون العرض ناجحاً. عناصر تفتح الباب على تساؤلات تخص موضوع المسرحية، لكن من باب العاطفة لا الفكر. «٨٠ درجة» نصاً وإخراجاً وتمثيلاً، تمتلك جميع تلك المقومات. ما يميزها ويبرز خصوصيتها، ليس إحكام سيطرتها على مقومات المسرحية الكوميدية الاجتماعية فقط، بل ذلك التحول المفاجئ الذي يطرأ على الحبكة الدرامية، ومعالجة هذا التحول في نهاية المسرحية. من عناصر بسيطة تخرجها فايزة من صندوقها، يدخل العرض إلى مستوى آخر وجديد ينقذ المسرحية من السقوط في تراجيديا سياقات شخصياتها. كان استثمار الميلودراما المجانية سهلاً، وكانت الممثلة رائدة طه قادرة على إثارة دمعة الجمهور عبر الغوص أكثر في جراح المرأة التي تتعايش مع ألم قديم أبطاله أفراد يحيطون بها في كل يوم. لكنها لم تفعل. راح نص المسرحية يلامس جراح شخصياته، ويظهرها من دون أن يستنزفها. هكذا، نرى الشخصيات تتخبط في آلامها، وتتصارع في ما بينها، من دون أن يصل العرض إلى لحظة الانهيار المفجع. لا صراخ، لا عويل ولا بكاء في «٨٠ درجة»، إذْ يقرر الثلاثة تفشيل الخطبة، ومقاطعة العالم الخارجي، والاكتفاء بسلة ينزلونها كي تمتلئ بأغراضهم ومستلزماتهم اليومية. وإذا مات أحدهم؟ يتساءل الثلاثة، قبل أن يقرروا وضع الميت منهم في السلة ذاتها. هكذا، تتحول الخاتمة إلى عبث كوميدي يجاور الألم من دون أن يغرس أظافره فيه، بل يقنّعه بابتسامة عبثية مدهشة.

«٨٠ درجة»: حتى 3 آذار (مارس) ــ «مسرح بابل» (الحمرا ـ بيروت) ـ
للاستعلام: 01/744033




دليل عافية

شهدت المسارح أخيراً نشاطاً في العروض الشبابية، ما يدلّ على عافية المسرح اللبناني، الذي يعيش ظروفاً تمويلية وإنتاجية صعبة. تعيد «80 درجة» ممثلين غائبين مثل فائق حميصي، ورائدة طه، إضافة إلى الحضور المتميز للمخرجة لينا أبيض في دور العمة، من دون أن ننسى عودة علية الخالدي إلى الإخراج. عرضٌ يجمع بين الأداء اللافت للمجموعة، والحنين إلى مسرح اجتماعي وكوميدي يمزج بين الواقعية والعبث.