يسأل الساقي وهو يدخّن سيجارة «مارلبورو» حمراء بحنق: «بتعرفي قديش بقبض بالشهر؟ 400 دولار. بتعرفي قديش بيربح المطعم بالليلة؟ 25000 دولار. ليش؟». من المفترض أن يجد هذا العامل الشاب جواباً لسؤاله، وتحليلاً بسيطاً لوضعه مبنياً على ربط المسائل بعضها ببعض: النظام الرأسمالي، سبب فقره وغنى صاحب العمل وعقد العمل الذي أُجبر على الموافقة عليه، الإحباط الذي يعيشه. عدم قدرة هذا العامل وغيره على تفسير الواقع، وقدرة صاحب العمل على امتصاص هذه الآلاف وغيرها من الاختلالات التي لا أمل بتغييرها من دون وعي طبقي، سببها أزمة في الحزب الشيوعي اللبناني. فهذا هو دوره، هنا عمله وهذه معركته.


من الواضح أنّ الأحزاب اليسارية في العالم تمر في أزمة وجودية منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. رغم أنّ هذا السقوط قطَع الحبل السرّي بين الاتحاد والحكومات أو الأحزاب الشيوعية حول العالم مؤدّياً إلى فقدان المرجعية السياسية الأساس، فقد وضع الأحزاب الشيوعية أمام أسئلة أدّى الجواب البراغماتي عنها إلى انحراف، وبالتالي فصل هذه الأحزاب عن الجماهير. ما هي الأسباب الموضوعية لسقوط الاتحاد السوفياتي؟ هل يعود الفشل إلى النظرية الماركسية أم إلى خلل تطبيقي للنظرية؟ وإذا كان الفشل يعني استحالة تطبيق النظرية أو يوتوبيته، فما العمل؟ حين ظهرت هذه الأسئلة وجاءت أجوبتها إمّا ليبرالية متحالفة مع طرح البورجوازية أو كتخلّ عن الصراع، حصل الانفصال وتم التخلّي عن دور الحزب الممثل للطبقة العاملة.
طرحت الرأسمالية مجدداً كحلّ حتمي، فكانت النيوليبرالية وأجنداتها الاستغلالية حلم كل «حرّ» في محاولة لطمس حاجات الشعوب وسعيها للتحرّر. لكن، بما أنّ المصير الطبيعي للشعوب هو أن تنتفض على مستغلّيها، وبما أن السياسات النيوليبرالية تمادت في استغلال الطبقة العاملة، كان طبيعياً أن تثور على أدوات القمع ومن ورائها النظام الرأسمالي. كانت الظروف الموضوعية في العالم، وخصوصاً في العالم العربي، ناضجة للثورة وبدأ الحراك الشعبي. إلّا أن دور الأحزاب الشيوعية خلال السنوات العشرين الفائتة، حصر أو أضعف إمكانية أن تكون فاعلة في الحراك. ولا نقول «حصر دورها»، لأن الدور لا يزال موجوداً، لا بل ضرورياً، لكنها عاجزة عن لعبه. وهنا يأتي السؤال عن كيفية استرجاع الإمكانية للعمل كي يؤدي الحزب الشيوعي دوره في تظهير الصراع الطبقي والارتقاء بالطبقة العاملة لتكون قائدة الثورات. أساس أزمة الحزب الشيوعي اللبناني الآن هو سيطرة عقلية «بورجوازية صغيرة» تحكم سياسته وتحدّد دوره في الصراع الطبقي، وبالتالي تحالفاته الطبقية. في وصفه لحكم هذه العقلية، يقول مهدي عامل في «النظرية في الممارسة السياسية»، وتحديداً في الجزء الذي يحلّل فيه «الانحراف في الخط السياسي للحزب الشيوعي اللبناني»، إنّ «القيادات البورجوازية والإقطاعية هذه تستوي على صعيد طبقي واحد مع القوى الرجعية، بمعنى أنها توجد معها في طرف واحد من علاقة التناقض الطبقي الوطني التي تمثّل الجماهير الشعبية الوطنية طرفها الآخر». إنّ «وجود هذه القيادات المعادية لهذه الجماهير في الحركة الشعبية نفسها، هو نقطة الضعف الرئيسية في هذه الحركة التي لم يكن بالتالي ممكناً للصراع الوطني فيها أن يظهر واضحاً للجماهير في تحدّده الضروري كصراع طبقي ضد البورجوازية المسيطرة». إذاً، فتحديد هذه العقلية لتوجّه الحزب، يجعل موضوع تظهير الصراع الطبقي أمراً ثانوياً أو يزيله حتى من خطة عمله، مركّزاً عمل الحزب خارج موقعه الطبيعي ومشوّهاً الوجهة الحقيقية لنضال الجماهير.
يجب إذاً على الطبقة العاملة أن تحتلّ موقع القيادة، فتقوم بدورها الطبقي في التحرّر، علماً بأنّ «كل انحراف في ممارساتها الطبقية عن هذا الخط يحول بالضرورة دون قيامها بدورها هذا، ويشكل، بالتالي، عائقاً رئيسياً في وجه تكوّن الطبقات والفئات الاجتماعية الشعبية حولها، وفي تحالفها الطبقي معها، في قوة سياسية مستقلة». وهذا بالضبط، حالياً، حال الحزب الشيوعي اللبناني. ويكمل بأنّ «عملية القطع (قطع الجماهير لعلاقتها بالتمثيل «الطائفي» التي تربطها بممثّليها من البورجوازية) التي تتحرّر فيها الجماهير من تبعيتها السياسية «الطائفية» للبورجوازية، هي عملية معقدة من الصراع الطبقي تتطلّب قيادة ثورية قادرة على أن تكون ـــ بالممارسة ـــ البديل الثوري للقيادة البورجوازية «الطائفية»، وعلى أن توضح للجماهير أنّ صراعها الوطني ضد القوى الرجعية هو نفسه صراعها الطبقي ضد البورجوازية، وأنه بالتالي، يقضي بضرورة تحرّرها من تبعيتها السياسية للبورجوازية، وبضرورة قطعها علاقة التمثيل «الطائفي» التي تربطها بها». نتيجة سيطرة هذه العقلية، حصل انحراف أدّى إلى فصل الوطني عن الاجتماعي، أي أنّ حمل شعارات تنادي بالتحرّر الاجتماعي لا يمكن أن تبقى من دون تطبيق مراعاة لتحالفات تكرّس النضال التحرّري ضد المحتل. فقد تمّ القبول بإمكان التحالف مع البورجوازية في ما يتعلّق بصراع التحرّر من الاحتلال والاستعمار، كأن هناك قدرة على شن صراع (حقيقي ــ ثوري) لا طبقي، أو كأن الصراعات كانت قابلة للفصل!
من هنا، نرى أنّ الحزب بات خاضعاً للأيديولوجية المهيمنة من حيث تخلّيه عن خوض الصراع. فقد دفع هذا التشويه في التحالف الطبقي إلى تبلور موجة في الحزب لا تريد له أن يكون شيوعياً. علينا هنا أن نتّفق على مسلّمة: لا يمكن أن يؤمّن خطّ تابع لـ«البورجوازية الصغيرة»، قيادة حزب الطبقة العاملة الثوري. هذا وذاك لا يتّفقان. إذا بدأنا من هنا، نرى بأن على الحزب الشيوعي أن يؤسّس لقيادة بروليتارية على اتصال بقواعدها، وقادرة على رسم توجّه ثوري للحزب، وبذلك إعادة تعريف تحالفاتها بما يتّفق مع مصالح الطبقة العاملة، وإعادة تفعيل قواعدها منمّية الوعي الطبقي ليتبلور التطبيق العملي للنظرية الماركسية. إن الحزب بحاجة إلى أن يعود ثورياً بتصحيح الانحراف في تحليله للواقع عبر البحث في التغييرات وتموضعها في إطار الصراع الطبقي. أي أن نعمل على تطوير الفكر الماركسي واستعماله لتحليل ما آلت إليه الأمور في عصرنا. كيف السبيل إلى التحرّر في ظل نظام كولونيالي تابع؟ وما هي الطبقة البروليتارية الآن؟ من ينتمي إليها في ظل تطوّر سوق العمل؟ كيف طوّرت الإمبريالية أدواتها؟ وما السبيل إلى محاربة كل واحدة؟... هذه الأسئلة بداية محاولة لفهم الواقع لأن القدرة على تفسير الواقع ضرورية لطرح بديل له. يستحيل أن يُكمل الحزب قيلولته. السبات جزء من الأزمة، لكن الحاجة إلى نقيض طبقي واضحة تنزّ عبر ثقوب استغلال البورجوازية للطبقة العاملة كل يوم... أفي مزارع البقاع التي يحترق عمّالها في الشمس ويعود عملهم على الإقطاعي بالملايين؟ أم في ورشات الفيلات في الجنوب التي تأكل أرض الرعاة وتثبّت ملكية خاصة على المشاع؟ أم في عصابات المرتزقة المسلّحة في الشمال التي تجنّد الفقراء لحروب زعمائها؟ أم في ملاهي بيروت الباهظة حيث يصرف مراهقون أكثر ممّا سيملك ساقيهم طوال حياته؟ لا يعتمد النظام في استمراريته على صبر الفقراء، بل على جهلهم. متى فهموا أنّ الأمور مجرّد معادلة حسابية تقول بأنّ ما يزيد هناك، ينقص من هنا... يتغيّر وجه التاريخ.




شيوعيّين كنا

في شريطه الوثائقي «شيوعيين كنّا»، يجمع المخرج اللبناني ماهر أبي سمرا ثلاثة من رفاقه القدامى (حسين أيّوب وبشّار عبد الصمد، وابراهيم الأمين). أمام الكاميرا، استعاد هؤلاء مرحلة مفصلية في حياتهم الحزبية، وأعادوا النظر في تجربتهم طارحين الكثير من الأسئلة من بينها تجربة المقاومة اليوم حيث يقفون في مواقع مختلفة.