في «الثعلب الأزرق» (2003) للروائي الإيسلندي شون (1962) الصادرة عن «دار الساقي» (تعريب مازن معروف) ما يتجاوز القشرة الخارجية للسرد الواقعي البسيط في بداية النص نحو عمق من نوع آخر مع الايغال في القراءة. نعني هنا القدرة على نقل القارئ الى مناخ يتيح له الانجذاب والغرق بشكل متساوق وتصاعديّ مع هذا السرد. بقدر محدود من الشخوص والاحداث في بيئة ريفيّة، يتاح للقارئ الاحاطة جيداً بذاك الجانب من الحياة الإيسلندية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بتفاصيلها وعوالمها الداخلية والخارجية. هذا السرد يطوّعه الكاتب ببراعة في السياق الروائي، بشكل يجازف فيه بالخروج أحياناً عن المنحى الواقعي للقصة. على سبيل المثال، شيء من الخرافة والسحر تستبطنه الحوارية في ذروة النص بين الشخصية المحورية القسّ الصيّاد بالدور سكوغسون وثعلبة الريف الزرقاء.


حوار يتحوّل بجزء منه الى نقاش لاهوتي بين هذا القس والثعلبة المطاردة الجريح.
يفصح القس الانتهازي في جانب منه عن نظرته الى الدين والاله: «القس بالدور احتكر كل خنادق الثعالب في الأبرشية كي يزيد من دخله عبر بيع جلد الثعالب الباهظ الثمن» (ص 108). هذا المناخ يؤدي، في الغالب، دوره بالشكل المطلوب في ما أراد الكاتب نقده والاضاءة عليه عن شخصية رئيسة محاطة بالجدل وبشيء من الغموض على مدار السرد. إنّها شخصية رجل الدين وطبيعة حياته في ذلك الريف من القرن التاسع عشر وعلاقته بذاته وانعكاسها في التعامل مع الناس، وخصوصاً «أبّا» الفتاة التي تعاني «متلازمة داون» وفريدريك فريديونسون الذي أحبها واعتنى بها حتى ماتت وقام بدفنها بمعزل عن بيئة الريف التي تظلم أمثال «أبّا». هذا قبل أن يكشف السرد أنّ «أبّا» المسكينة هي في الحقيقة ابنة القس التي باعها لغرباء في صغرها.
العمل الحائز «جائزة مجلس الشمال للادب» نقله الشاعر مازن معروف عبر النص الانكليزي الى العربية. ترجمة يمكن اعتبارها بمثابة كتابة ثانية للرواية بمعنى قدرة معروف على توظيف جملته الخاصة ومعجمه المخفّف، الدقيق في النقل بحساسيّة عالية تتجنب البهرجة البلاغية والاطالات التي تضلل السياق. وهذه مطبات شائعة شكلت دوماً معضلة من معضلات نقل النصوص المعرّبة. ربما يجدر هنا الاشارة الى فرادة ترجمات الشعراء للنصوص الادبية، وخصوصاً الروائية منها، ونذكر في هذا السياق الراحل بسام حجار في ترجماته المعروفة بحيث تظهر في هذه النصوص حساسية الشاعر المغايرة في التعامل مع النص والمفقودة غالباً في ترجمات الأكاديميين.