يبدو ان الشكل الذي رسا عليه زياد بالنسبة الى حفلاته، المثيرة للجدل لمضامينها السياسية والأيديولوجية عموماً، هو ذلك الخليط من الأغنية والموسيقى والرأي المُمسرح والاستعراض الخاص، وهو يبدو الشكل الأنسب حالياً لمحاكاة ومخاطبة «جوّ البلد». لذلك يكرّر الرجل الوصفة، هنا وهناك، بمقادير مختلفة كل مرّة، وينسج جوّاً من مفردات تلخص أو تشير إلى عناوين اهتمام الرأي العام، ليقول كلمته فيها.


وهي كلمة منتظرة من محبّيه و«مقلّديه». وربما لذلك، اي بسبب معنى تلك «الكلمة» وعلى خلفية الوضع الفالت أمنياً، تتكرّر بعض «الإشكالات» التي يبدو أنها مفتعلة في حفلاته، كما ظهر من تحقيقات يبدو ان مخابرات الجيش أجرتها فتوصلت الى هذه النتيجة... فالرحباني مزعج سياسياً، خاصة لمَن يعتبر أن «هاك القاطع»، الذي تمثّله بعض الجغرافيا الطائفية، أرضٌ محرّمة على «أمثاله»، وهو أمر يستنفره عادة.
هكذا، وبعد حفلات «ضبية» و«الأونيسكو»، التي شهد بعضها «زعرنات متفرّقة»، يهدّد زياد بالكشف عنها «إذا مخابرات الجيش كمّلوا ما بدّن يحكوا»، أحيا أمس ويحيي الليلة حفلتين في بلدة انفه، في منتجع اللاس ساليناس. كما يوجد على جدول حفلاته قريبا ثلاث حفلات في... «قرنة شهوان» شخصياً. وما بينها حفلات في الخارج، مصر تحديداً، حيث يحاول «بعض» المشوّشين، التأثير عليه «افتراضياً» بسبب موقفه من الأزمة السورية، فلا يأتي، لكنه سيذهب كما أكّد لنا. كما أنه سيذهب إلى الكويت.
«أفّ، يا ريت!.. دوا..!! عالقليلة شي مرّة نعلق برّات بيروت»، يقول ضاحكاً رداً على تخوّف البعض من أن «تعرك» بالشمال وهو هناك. الجوّ السياسي المتوتر أحيا ذاكرة «الشغل في أجواء الحرب الأهلية» كما يقول مهندس الصوت التاريخي إبراهيم مشورب الذي لم تكن حرب تموز العام 2006 أولى «العلقات» أو آخرها التي «يعلقها» مع زياد بسبب الأوضاع الأمنية.
في الستوديو، وعلى الدرج المؤدي إليه، انتشر الشباب والصبايا المشاركون في الحفل مترقّبين وصول «البوس» وهم يدخنون في الخارج. منهم مَن جاء من سوريا كرأفت ونزار ومنال وآخرين. هؤلاء يبدو لهم الوضع هنا، للسخرية، «هادئاً» مقارنة بوضع بلادهم. وبما أن السياسة هي الهمّ اليومي للناس، فقد جلس الممثل التاريخي غازاروس ألطونيان، يخبرنا بلهجته الأرمنية المحبّبة أن الأوضاع في أرمينيا «مش كتير... كان في مرشح رئاسي أميركي، بس ربح مرشح روسيا». ثم يردف بكل جدية: «أصحابي هونيك بيحبّوا الأميركان.. قلتلن: حبيباتي، بتحبّوا الأميركاني أوكي، بس انتبهوا، هودي بيجيبولكن هيدا الربيع العربي... بيقرطكن كلّكن هَه!!».
المكتب كخليّة نحل.. هناك مَن يتمرن على القراءة. ماري سعد تحاول التفاهم مع بعض مكاتب البيع وأحمد «يزقّ» أغراض إلى الستوديو.
«صايرة أسامي حفلاتك بتشبه العمليات العسكرية» نقول له، حين يدخل، فيرد: «أكيد. هيدا مش فنّ ع الحل. إنو حدا بيعمل حفلة 3 ارباعها أغاني أجنبية؟ هيدي الحفلات حجّة لتكفّي القصص اللي ما بتقدري تكتبيها بالجريدة، مش لأنو الجريدة ما بدها، لأنها ما بتطلع متل إذا مثّلتيها أو قلتيها ع المسرح». ويضيف «هيدا المسرح بيقدر يكون منبر بلحظة. عم نحط منبر ع المسرح. عم نتوفّق أكثر شي بالأونيسكو لأن منابرها جاهزة، مدروسة وموافق عليها القصر الجمهوري والحرس والتشريفات». ويتابع باسماً «يعني إذا جاء الرئيس يستطيع أن يتكلم من على ذاك المنبر. هناك الرئيس وهناك (الزميل والممثل) رضوان حمزة. نحن نفضّل أن يتكلم رضوان مثلاً». ثم يسأل: «صحيح أنه (رئيس الجمهورية) طلع ببرنامج «نيو تي في»؟! كيف أقنعوه؟»، «طلع هو شخصياً؟» أؤكد له، فيقول «لو أن إبراهيم الأمين أقنعه بذلك، ممكن، لكن... كيف بيطلع؟» ثم يستطرد: «هلّق أكيد إبراهيم إلو بدالها هيك طلعة (مشاركته بالبرنامج). ربما أقنعه أو أغراه أحدهم، بمعنى أنه وجه مطلوب... مطلوب إيه، بس لهيك برنامج؟» يقول مستغرباً. ثم يشير الى المسجّل وهو يقول: «وكلّن للنشر هول. زميلي إبراهيم ع راسي. يعني مفروض أنا نجم سابق لـ«كاريير» إبراهيم ع التلفزيونات، القصص اللي بيطلع فيها إبراهيم مثلاً أسرى، احتجاز ألمان ما عجبتهن المفاوضات، لأنّو الألمان هني بيفاوضوا عادة. نشاطات إبراهيم ع الكاميرا من غير نوع، هلق طلّعوه ببرنامج. ما بعرف. عند هالحدّ لا تعليق. لأنو حكينا كفاية».
أسأله: «حضرت شي حلقة؟»، بسرعة يرد «ما بحضر هيك شي. ولا مضطرّ احضر إبراهيم ع هيك محطة، يعني فيها مريم البسّام؟! الله أكبر! إذا فيكي العنوان يكون «الله أكبر» بيكون منيح. وشي صورة لمريم البسّام تحتها «ذا لايتست»، إنّو لما بتفتحي اليوتيوب شو بيطلعلك؟ مريم البسّام وهيك أشياء! لقد أنسوا الناس عقاب صقر! حتى الحريري صار «ديمودي» مثل (موضة) الباديليفان. بدك تلبسي باديليفان تتسمعي الحريري، الابن، طبعاً».
«طيّب شو قصة الأرثوذكس باسم الحفلة. عنوان جوّ بالبلد يعني؟»، يجيب «لأ. مش عنوان جوّ. هيدا عنوان نهائي. أخدنا كتير توصلنالو». لكن بأيّ معنى نهائي؟ يجيب «إنو الأرثوذكس شخص ما بيبدل قناعة، وعنيد بالدفاع عنها، دوغما يعني. صاحب دوكترين ودوغما». «لكن ما هذا العنوان الطائفي في وقت...» يقاطعنا: «نحنا أرثوذكس صراحة، بعد إحصاء المنتسبين (للفرقة) لأننا نريد أن نصرّح عنهم للضمان، ظهر أن الأكثرية المطلقة هم الروم، والأكثرية النسبية ــــ يعني وراها ــــ روم أرثوذكس. بالطبع لم نجمعهم على هذا الأساس، لكن هيك طلع (يضحك)، كتير تماسكنا إنو ما نسميها روم أرثوذكس لأنو مش حلو، يعني بيصير الجوّ كتير طائفي!! لوقتها. فلنقل إنه بعد حركة أو حركتين لشخص يشبه الأسير أو ذاك المطرب (يلتفت إلى غازاروس)... نسيناه! فضل... نعم.. الفضل كلّه للأسير لأنه كان فينا ما نتذكره».
نسأله «أي منتسبين؟» يقول: «للفرقة! مغنين وممثلين وموسيقيين... معك حق كلمة منتسبين عم تضيّعك، هودي كانوا بدن ينتسبوا بعد فترة للحزب بس انتسبوا من غير ما يعرفوا. (يضحك)، هني أصدقاء للحزب ومش ع ذوقن. وإن لم يكونوا راضين يفلّوا، سنأتي بغيرهم إذا فكروا بمعاداتنا يعني (يبتسم) في كتير موسيقيّي حابّين ينتظموا بشي يعيشوا منه ويكون موسيقى. يعني لو حسمت مَن هم؟. شو بيطلع طوائف تانية؟ إجماع». (يضحك) وهو يتابع «يعني بيكبر قلبو للواحد. ليكي بيضحكوا حتى الموارنة (بالفرقة) على مضض طبعاً. إنو كيف أنا علماني وبقول أرثوذكس؟»، (يلتفت صوب أحد الجالسين) «أرثوذكس ونصّ، لأنو لينين أرثوذكس»، أعلّق «معقول انت؟ هلّق طلع لينين أرثوذكس؟»، فيردّ بطريقته التي يلعب فيها على حبلَي المزاح والجد: «ليكي ما حدا إلو مآخذ ع لينين. بيسبّوا ستالين مع إنو أرثوذكس كمان، بس ناسيين إنو أرثوذكس على اللي عاملو، واليهود ركّزوا ع ماركس إنو يهودي، قام «نقل» الفاتيكان عنهن وبثّها بالعالم: الامبريالية ما بدها مين يبثّلها هيك شي، بس ساعدها، إنو انتبهوا يا شباب هيدا ضدّ المسيح. هيدا إلحاد كلّن: صاروا يجمّعهوهن. إنو فرويد وماركس وكل فلاسفة الألمان طلعت إنو هرتزل عملهن! إنو إذا في حدا جرّب يربّي اليهود بالعالم هنّي النازية. كيف بدها تكون الفلسفة الألمانية... شو اسمو؟ مش راكبة. متل أخبار اليهود بالعالم، يعني مش راكبة. وبيتّهموا العالم اللي بيشكّوا فيها إنو معاديين للساميّة. إذا روجيه غارودي ما قدرت الدولة الفرنسية تحميه! بهالعصر، معقولة؟ والأب بيار (L’abee Pierre)، لم يستطيعوا حمايتهم... تماماً مثل نصر الله. مَن يهدّد أولئك يهدّد أيضاً هؤلاء. المعنى؟ أبو... هذا الكوكب الذي لا تحكمه إلّا القوّة! ولذا، يجب أن نكون مع الرفيق الأعلى بوتين. مهما كذب وقال إنو منفتح ولا علاقة له بالماضي. نسبة الانفتاح التي عملها مَرْضِي عنها. يكفي أن الأميركان مبسوطين منه، وفي الوقت نفسه لا يريدونه! شو بدّو يكون جمهوري؟ نحن معه. لأنها كلّها تسميات هيدي. صح؟ شو إنو المحافظين الجدد مثلاً ديموقراطيين؟! ليك هالديموقراطية... هذه أحدث عيّنة من الديموقراطية. شو يعني «مسيحيّة اليهود؟» شي جديد هيدا.. ما حدا علّمها بالمدارس. شو بروتستانت هوي؟ الكلمة بالفرنسية تعني الرافض». أمازحه: «شيعة يعني؟»، فيجيب: «أيوَاه.. منشان هيك في بعض الهضامة عند الشيعة، زين شعيب (الشاعر الزجلي الشهير) يرمز لها. كل ما «حزب الله» كان عنده عنصر قريب لزين شعيب، كلما أحببته. كلما كان لديه عنصر قريب لـ(نائب الأمين العام الشيخ) نعيم قاسم، كل ما نقّزني!.. وبدّي تقولي إنو نعيم قاسم كتير بينقّزني».
يحلّ وقت «البروفات» فيصبح الرحباني في مكان آخر مع فرقته.
يجلس الى الطاولة المستديرة وسط الستوديو، وقد تحلق الممثلون حولها، يجول مستمعاً وهو يتشاغل بدوزنة هنا وترتيب اوراق هناك، لكن أذنيه هنا. يصحّح فجأة لإحدى القارئات «الفظيها بلهجتن هني.. يعني بدك تقولي: إيش يابا؟» يقولها وهو يهز برأسه. فتعيد الصبية القراءة وهي تضحك. اما غازاروس، وهو لمن لا يعرفه الا عبر جملته الشهيرة في مسرحية «فيلم اميركي طويل»، «بابا هون وهونيك ستيريو»، وبالرغم من كونه من اقدم المشاركين في اعمال السيدة فيروز وابنها، فهو لم يعتد بعد على بعض نصوص زياد التي لا تزال تضحكه حتى اليوم، هكذا، يضحك من قلبه لدرجة تغامر بسؤاله ان كان يسمعها للمرة الاولى فينفي وهو يمسح دموع عينيه.
وبالعودة إلى برنامج اللاس ساليناس، ستغني فرقة «أرثوذكس» (32 مشاركاً بين عازف ومنشد وممثل وتقني بإدارة جان مدني) من«قديم الرحابنة» أغنيتين هما «بقطفلك بس»، و«على مهلك»، إضافة إلى بعض أغاني زياد مثل «قلتيلي حبّيتَك» و«قصة زغيرة» وبعض «البوسا نوفا»، ولكنها هذه المرة بصوت البرازيلية نعيمة (من أصول لبنانية سحيقة)، إضافة إلى مقطوعات موسيقية لزياد.. واسكتشات مسرحية على صلة «بالجوّ»..
يذكر أن حفلاً كان مقرراً ليلة أول من أمس تم إلغاؤه لعثرات في موضوع البيع بسبب الأوضاع المتوترة، وهو ما أعاده البعض لتخوّف أهل الشمال من الخروج، إضافة الى خلل في مراكز البيع. لكن، تم استرداد البطاقات من الناس وأعيدت إليهم أموالهم.
بعد اللاس ساليناس، سيذهب الرحباني إلى القاهرة للمشاركة في مهرجان الجاز هناك، والذي يشارك فيه نجوم يحبّهم وقد عمل على بعض أغانيهم كالبرازيلي جيلبرتو جيل. أما بعد ذلك؟ فسيكمل، بعد عودته، جولته في المناطق، حيث سيحطّ لثلاث حفلات في «قرنة شهوان» في أيار المقبل، كما أن من المحتمل مشاركته في مهرجان «إهدنيات» في الصيف، إضافة لعمله على أسطوانة للسيدة فيروز من بين 3 أسطوانات.
أما المفاجأة الكبرى؟ فقد تكون أننا على موعد مع إطلاق زياد الرحباني لإذاعة، ربما آن الأوان، بعد أن ضاقت به كل الأشكال المعروفة من التعبير، لتبدأ البثّ.




سماق وبورنو

يروي الرحباني لنا هذه الطرفة عن غازاروس الطونيان، وبحضوره: «أستاذ غازاروس، وبعد ان أمنّ على دوره انو مشي حالو، وانو كل المقاطع عم تنفهم للارمن واللبنانيين، لأن دوره كان «الأرمني»، من هيك صار معروف أنو بيقول ستيريو، اللي هوي بيعبر كان عن وضع الارمن بالبلد، موفقين فيهم هون وهونيك، من الجهتين. المهم، لما ارتاح على وضعه، آخذ وج... بدك تقولي أخذ اول وج تطلع بطريقو، صار يحط بجيبتو وهوي ع المسرح حنجور (مرطبان) صغير متل عبوة البريل كريم ولكن زجاجية، و«يسف منها» كل الوقت.. وهالرجل فجأة يحمر ويحمّر وجهه.. مش طبيعي، طلع عم يسف..سماق! ايه والله، بين الحّر والسمّاق، طلّع انو الشاب، غازاروس يعني... وانا عم مثل قدامو هه، طلع انو كانت رح تنفجر معو الزايدة...ع الحفّة يعني لحقناه. كان بدها بس بيضتين بسجق حتى تنفجر»، يضحكان ملياً ثم يقول «علاقة غازاروس بالأكل... بورنو».



نعيمة البرازيلية

نعيمة اسمها، وهي برازيلية من اصول لبنانية «سحيقة». أصبحت المغنية السمراء، التي تشارك الرحباني مؤخرا في بعض حفلاته، صوت الموسيقى البرازيلية في الفرقة.
يتميز اداؤها وحضورها بالنعومة والتواضع. شهدت نعيمة مؤخرا، كما أخبرتنا، بخليط من العربية والانكليزية والفرنسية المكسرة، «موقعة ضبية»، حين اعترض بعض الجمهور على تأخير دخولهم، ورد عليهم الرحباني بدون أن يقع في فخ الاستفزاز الذي تبين انه كان يُصوّر. قالت: «فوجئت كثيرا ولم اكن افهم ما الذي يقولونه، لكني تعلمت من زياد حسن التصرف».