عمان | تعتلي المسرح لتروي قصصاً غير مكتملة عن نساء يهجون سلطة الرجال وانتقاص حقوقهن، لترسم الحكواتية والكاتبة لانا ناصر (1977) صورة جديدة عن امرأة تنتقص ذاتها بيدها وتقيّد حريتها من دون الحاجة إلى الذكور وصورهم النمطية عن عالم الحريم. ناصر التي عادت إلى الأردن بعدما أكملت دراسة التمثيل وعلم النفس في الولايات المتحدة عام 2008، تصدر بيانات سياسيّة تدعو إلى تحرير المرأة، محصورةً في نيل حريتها الجنسية. والمفارقة أنّها تفرط في التنقيب في المعاجم العربية بحثاً عن مفردات: الحب والمرأة والرحم والجنس في تلاعب مدروس على ألفاظها ومعانيها، لكنها لا تذكر العملية الجنسية في مسرحياتها ـــ بوصفها التابو الأبرز في ثقافتنا ـــ إلا منطوقةً بالإنكليزية.

العربية لغة ذكورية بامتياز بحسب ناصر، غير أنّها تخضع لذكورية اللغة في هوس فاضح بتأويل تراكيبها وعباراتها من دون الانتباه إلى أنّ خطابها النقدي يستند إلى فهم مجتزأ، فهي تُنكر أحادية الذكر وتستسلم لواحدية الإله (عبر إدخال أشعار تسوّقها بوصفها قصائد صوفية في أعمالها تتذلل فيها للخالق الواحد الأحد) رغم أنّ الأولى تمثيل للثانية، وتُعبّران بالدرجة نفسها عن الواحد وسيادة ثقافته.
في مسرحيتها «ثمن بنات»، تسعى المخرجة التي تسيّر رحلات سياحية منظمة إلى الأردن بغية التعريف بأماكنه، إلى رفض مفهوم تسليع المرأة كما تبينه حوارات العمل، لكن عزل مجاميع النساء عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية، يحيلهن في النهاية إلى كائن لا يحيا ولا يتفاعل مع محيطه. ووفق هذه الرؤية، تظل المرأة مادة قابلة للتسعير وموضوعاً غامضاً يأبى الكشف.
تتمركز أعمال ناصر ومنها «حقيبة حمراء» و«امرأة عربية تتحدث» حول شعارات كبرى خالية من المضامين المعرفية والفنية والجمالية. هي تتكئ على «فن الحكي» وسط عناصر مسرحية تفتقر إلى الدلالات، وتوظف الإضاءة والصوت والسينوغرافيا لإبراز قدرتها على الاستعراض وتقديم مقولات جاهزة حول الكبت الجنسي والتمييز ضد المرأة وغيرهما من القضايا. لا تحضر في البال إلا صورة متناقضة، لكنها مأخوذة من الواقع لزعماء عرب يبالغون في استظهار فحولتهم وقوتهم لإخفاء هزائمهم وإخفاقاتهم المتتالية، وهي صورة تتماثل مع تلك المرأة المسترجلة لدى ناصر التي تغيّب أنوثتها في رغبة لتقمص دور الذكر المتسلط، وحينها تنتفي أهمية مناقشة عذابات المرأة لكونها تعبيراً كامناً عن التوق إلى السلطة لا أكثر.
«توق» يُصور مردّ أزمات المجتمع كاملة إلى سلطة الرجل في تحييد متقصّد للصراع الاجتماعي ومآسي الاحتلال، وبذلك استرضاء للمموّل الأوروبي الذي يلاحظ دعم منظماته لجميع أعمال ناصر. وكذلك في تأسيسها «شبكة آت» التي تنظم مهرجاناً للأفلام سنوياً احتفالاً بيوم المرأة، رغم قصَر مسيرتها الفنية التي لا تتجاوز خمس سنوات.
العمل الأدائي المعنون بـ «دخول البتراء» يفتتح المدينة الوردية بفيديو يصوّرها على هيئة شقوق أنثوية، ليتراقص المكان شبقاً بعيون زواره، وخصوصاً من الأوروبيين، وتُسمع خلاله زقزقات العصافير ونقرات الدفوف التي تهيئ البتراء ليلتهمها الداخلون! التاريخ والأسطورة توابل وبهارات لتزيين المكان وترويجه، والمسرح أداة للحكي تلغي فضاءاته ومحملاته الدلالية. على هذا النحو، يصبح فعل التحرر مجرداً من كل سياق معرفي وتاريخي، ولا يعدو إلا انتصاراً لذات مشوهة منبتة عن حاضرها وماضيها، وحينها تنقلب مظلوميتها إلى عبء ثقيل يبرر لها كل ما تقوم به حتى لو كان التطبيع مع عدوّها.
يبدو أنّ صوت لانا ناصر المرتفع والحاد في أعمالها المسرحية السابقة لم ينل صدى، فقررت اختزال جميع حكاياتها عن تحرير المرأة في حكاية واحدة هي مشروع تطبيعي بالتعاون مع فنانات من «إسرائيل» وهولندا وفلسطين. هؤلاء يسِرنَ على الأقدام من الأردن إلى القدس (من 12 حتى 21 آذار/ مارس الحالي) في رحلة سمِّيت Connecting Daughters تذهب «خلالها نساء إبراهيم الثلاث سارة وهاجر وقطورة، ﻟﺘﺠﺎﻭﺯ الحدود الثقافية وﺍﻟﻠﻐﺎﺕ ﻭﺍﻷﺩﻳﺎﻥ رغبة منهنّ ﻓﻲ ﺇﻳﺠﺎﺩ ﺍﻟﺴﻼﻡ» (راجع المقال المقابل).
رغبة تعيدنا إلى مشاريع ناصر السابقة، فلا يمكننا بعدها قراءة العبارة الموسومة على موقع «شبكة آت» التي تقول: «نؤمن بأن الفن هو الترياق للعنف، لتجاوز الحدود وتعزيز السلام بين الشعوب» ببراءة، طالما أنّ الحدود التي يجري تجاوزها والسلام المنشود لا يتحقّقان إلا باتجاه العدو الصهيوني.