لم تكن عروض الكباريه يوماً «نخبوية» ولم تقدّم أبداً فناً معقّد التأليف والتنفيذ أو موسيقى عالمة. إنّها عروض تتّسم بالعفوية والشعبية والبساطة ويرجع تاريخها في الشرق الى مطلع القرن العشرين، وخصوصاً في القاهرة التي كانت حينها مركز استقطاب لفنّاني المنطقة. في منطقتنا، يتضمّن عرض الكباريه فنوناً متنوعة بدءاً بالأغاني البسيطة التأليف من حيث اللحن والكلام، والموسيقى الشعبية، والكوميديا والتهريج، وصولاً الى الرقص الشرقي الذي لطالما مثّل العمود الفقري لهذا النوع من العروض. تقدّم هذه الأعمال في الحانات والمقاهي الليلية التي يرتادها عامة الشعب. ولطالما مثلت الكباريهات نقطة انطلاق لعدد من الفنانين الذين حققوا شهرةً واسعة، وبعضهم دخل عالم الأفلام السينمائية والحفلات الحية في المسارح كفريد الأطرش، وهند رستم، وسامية جمال وتحيّة كاريوكا...


كذلك دخلت فكرة الكباريه في أفلام السينما المصرية، فأصبحت جزءاً مهمّاً منها، ومحطّة جامعة لمعظمها.
في يومنا هذا وتحديداً في بيروت، يعود الكباريه الى قلب العاصمة. يقدّم «مترو المدينة» عرض «هِشِّك بِشِّك» الذي يحتوي على أربعة مشاهد، ويأخذنا الى مصر العشرينيات من القرن الماضي، فالخمسينيات، مروراً بالصعيد وصولاً إلى حلقات الزار. المشروع عبارة عن جهد مشترك لمجموعة من الفنانين اللبنانيين جمعهم «مترو المدينة» وأنتج عملهم ضمن سلسلة عروض متنوّعة يقدّمها.
بدأت فكرة «هِشِّك بِشِّك» بين هشام جابر المدير الفني للعرض وصاحب الشخصية الرئيسة في عروض «المترو» الثلاث السابقة (شخصية روبرتو قبرصلي) والمغنية والمؤدية ياسمينا فايد التي عرفها الجمهور من خلال عدد كبير من الحفلات السابقة وفي عرض «المترو» الأخير «عالم التفنيص». أدّت فايد بعض أغنيات الكباريه. وجمعت الفنانة الشابة باقة متنوّعة من الأغنيات الخفيفة التي حفظتها من الأفلام المصرية القديمة وقدّمتها لهشام الذي يعرف تماماً كيفية مسرحتها لتتحوّل عرضاً من ساعتين يضمّ 4 مشاهد والعديد من الأغنيات التي تنقلنا الى فيلم مصري قديم، لكن بالألوان، بالإضافة الى مؤثرات بصرية جذابة واضاءة مدروسة. يمتاز العرض بفريق عمله بدءاً بوسام دلاتي المسؤول عن تصميم الأزياء بحسب تركيبة شخصيات العرض وتاريخها والاهتمام بأدق تفاصيل الأكسسوار والتسريحات والماكياج. كذلك، يضمّ الفريق عازف العود زياد الأحمدية المسؤول عن الادارة الموسيقية وتوزيع الأغنيات، بالاضافة الى مسؤول البصريات وتصميم الإضاءة نديم صوما، ومصمم الصوت جواد شعبان.
على خشبة المسرح، يقف فريق من الفنانين، على رأسهم ياسمينا فايد التي تؤدي دور «المعلّمة» أي مسؤولة الكباريه ومغنيته الأساسية. زياد الأحمدية وأعضاء الفرقة (سماح ابي منا/ الأكورديون، بهاء ضو/ إيقاع وزياد جعفر/ كمان) يرتدون البزات العسكرية على طريقة فرقة «حسب الله» المصرية التي كانت تؤدي موسيقى الأفراح والأتراح باللباس العسكري، فعناصرها كانوا جنوداً وضباطاً سابقين في جيش الملك فاروق. يشارك زياد الأحمدية في الغناء أيضاً الى جانب زياد جعفر. ومن المغنين المساندين، لينا سحاب، التي تؤدي دور فتاة الكباريه، والزميل روي ديب بدور الساقي. كذلك، يشارك وسام دلاتي مؤدياً شخصية «صبي الفرقة» الذي يمجّد «المعلّمة». ولا يخلو العرض من الرقص الشرقي حيث تؤدي رندا مخول وصلات متفرّقة.
أما الأغاني، فتنطلق مع الافتتاح بـ «الكوكايين» (كلمات بديع خيري وألحان سيد درويش) من مصر العشرينيات، فأغنيات الخمسينيات والأفلام الشهيرة كـ «سونا يا سنسن» (كلمات عبد الوهاب محمد وألحان منير مراد)، ثم ينقلنا العرض الى الصعيد وأغنية «قلي ولا تخبيش يا زين» (كلمات بيرم التونسي وألحان زكريا أحمد). ويُختتم بمشهد حلقات الزار، ومن أغنياته «العتبة قزاز» (كلمات عبد الفتاح مصطفى وألحان علي اسماعيل).
مع المشهد الأخير، تكون ذروة الرحلة الملوّنة في الزمن. رغم بساطتها، شكّلت العروض الشعبية مرآة أمينة للمجتمع وثقافة الشعوب. يقدّم هشام جابر ورفاقه «هِشِّك بِشِّك» بعفوية وتلقائية، محاكياً ذاكرة القاهرة التي ما زالت تعيش مخاضاً عسيراً، وباحثاً عما بقي من القرن العشرين وبريقه الاستعراضي والفني.




«هشك بشك»: كل خميس 9:30 ـــ «مترو المدينة» (الحمرا ـ بيروت) ـــ
للاستعلام: 76/309363