خرج الفتى باكياً من باب استوديو برنامج «إكس فاكتور»، بعد أن رفضت لجنة تحكيم البرنامج قبوله. المشهد ليس جديداً، إذ لطالما أُصيب آخرون بالخيبة نفسها في برامج مشابهة، وظنّوا بأن الظلام سيخيّم على خيمة الطرب العربي بغيابهم. هذه المرّة، نحن على موعد مع نواح الخاسرين وصيحات النصر في كواليس برنامج «اراب ايدول». زحام المتسابقين أمام أماكن الاختبار يفوق تظاهرات ميادين الربيع العربي، وكأن جيل الشباب لا يفكّر إلا في النجومية والمال.


غزارة البرامج المستوردة شجّعت المئات على اقتحام الغناء. ثلاث دقائق من النشاز قد تضع صاحبها في جنّة المحظوظين. ليس شرطاً أن تغنّي لعبد الوهاب أو عبد الحليم أو أم كلثوم، يكفي أن تقلّد أحد هواة الدورات السابقة ممن بات نجماً اليوم، أو أحد أعضاء لجنة التحكيم باعتبارك مغرماً بصوته إلى حدّ الهوس، كي تصعد إلى الواجهة. لا تخلو هذه البرامج من أصوات قويّة، لكنها نادرة أمام حشد عديمي الموهبة وفقدان الحسّ الموسيقي. هذا الواقع يتجاوز المتسابقين إلى بعض أعضاء لجان التحكيم، وكأن النجومية وحدها هي طريق العبور وليس المخزون الموسيقي لدى هؤلاء. بالطبع علينا ألا نهمل جانباً أساسياً في ذيوع هذه البرامج في المحطات العربية، وهو الجانب الإعلاني الذي يتفوّق بمراحل على أهمية اكتشاف أصوات عربية. فتّش إذاً، عن شركات الاتصالات، ولوغو المشروبات الغازية أولاً، وتصنيع نجوم من قش. ربما علينا أن نفكّر في سؤال: ماذا لو اتجه كل الشباب العربي إلى الغناء، ذلك أنه بعد عشر سنوات مقبلة، عندها تخلو الجامعات من طلاب العلوم؟ وبحسبة بسيطة، سوف نكون أمام جيش جرّار من المغنين وسنعاني ندرة غير مسبوقة في المهن مثل الأطباء والمهندسين. الحماسة في اقتحام دنيا الطرب لا تتوقف عند أحلام فتى فاشل في أن يصبح نجماً، إنما انتقلت اللوثة إلى الأهل. فوز أحد الأبناء العاطلين من العمل في مسابقة ما سينقذ العائلة من مصير اقتصادي مظلم. انتهى زمن الأب الذي يرفض دخول ابنه أو ابنته مجال الغناء تحت بند قانون العيب. على الأرجح، ليس بسبب نظرته التنويرية في تقدير الموهبة، بل على أمل الانخراط في مجتمع الرفاهية في مهنة لا تتطلب شهادات علمية. الفتى الخارق الذي خرج باكياً من مصانع «إكس فاكتور» اعترف أمام لجنة التحكيم بأنه جرّب كل المهن بما فيها بائع بسطة، وها هو يشعر بالخذلان مجدّداً، فأين المفرّ؟ كان معلمو المدارس يقترحون سؤالاً: ماذا تتمنى أن تكون في المستقبل؟ يجيب التلميذ: معلماً أو طبيباً أو طيّاراً. لا شك بأن الإجابة اليوم عن السؤال نفسه تكون: أن أكون مطرباً.