دمشق تحت نيران «الجيش الحرّ» أو تحت رحمة قذائف الهاون العمياء. لا فرق، فالنتيجة واحدة، موت محتم لا يستثني أحداً. منذ فترة، أضيف إلى سلسلة المخاطر التي تطاول دمشق، عنصر جديد هو قذائف الهاون، فكانت ساحة الأمويين هدفاً لها في الآونة الأخيرة. ومن المعروف أن الساحة تجمع «مبنى الأركان» و «مكتبة الأسد» و«دار الأوبرا» و«المعهد العالي للفنون المسرحية» و«معهد الموسيقى» و«التلفزيون السوري» الذي طاولته منذ يومين قذائف وصواريخ أصابت مبنى المرأب، تلتها قذائف جديدة أول من أمس أدّت إلى إصابة مصوّر ومساعده يعملان في محطة «الإخبارية السورية». لم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ؛ فمؤسسات النظام الإعلامية وموظفوها أدرجوا على القائمة السوداء المطلوبة لنيران «الجيش الحرّ». وأمس، اشتعلت منطقة البرامكة عند عقدة «الكراج القديم» حيث تزدحم الحركة أمام مقر «جامعة دمشق» (كلية الحقوق والشريعة الإسلامية)، يقابلها مدرج الجامعة ومستشفيات عدة أهمها «مشفى التوليد الجامعي»، فيما يقع في الجهة الثانية مبنى الوكالة السورية للأنباء «سانا».


البناء الأزرق يفترش رصيفه عدد من الباعة المتجوّلين وأصحاب البسطات الذين اعتادوا الحذر من شرطة محافظة دمشق التي كانت تلاحقهم لوجودهم غير القانوني هناك. لكن مع اندلاع الأحداث، نسي هؤلاء الباعة الشرطة وصاروا يحتاطون أكثر من قذائف المعارضة التي استهدفت أمس مبنى «سانا» بقذائف الهاون، وقد سقطت إحداها في «مشفى التوليد الجامعي» وثانية في حرم الجامعة. وتوالى سقوط القذائف التي أصابت مقرّ الوكالة السورية للأنباء التي سارعت إلى نفي الخبر ونقلته عبر موقعها على أنه استهداف لمجمع مدارس في المنطقة ذاتها أدى إلى قتل طفلة وإصابة مواطنين بينهم معلمة.
المدير العام للوكالة أحمد ضوا، قال في اتصال مع «الأخبار» إنّ «إطلاق القذائف من قبل إرهابيين يتكرر منذ فترة على منطقة البرامكة، وإذا كان المقصود ضرب مبنى الوكالة، فالمعروف أن «سانا» لا تقع في صحراء خاوية، بل في منطقة مكتظة بالسكان. واليوم ضربت قذائف أصابت «مشفى التوليد» الذي يوجد فيه أمهات وأطفال. وقد سقطت قذائف في محيط الوكالة أصابت المواطنين العاديين، وقد نقلنا الخبر بنحو طبيعي». يؤكد ضوا أنه اطمئن إلى فريق العمل كاملاً، وقد غطت الوكالة الخبر كما تفعل عادةً. ثم يستطرد بالأسطوانة الرسمية المعتادة: «عمل إرهابي وقذائف الهاون هي السلاح القذر الأعمى، والهدف من ذلك استهداف الحياة في سوريا وقد عادت الحركة في الشارع بعد أقل من ربع ساعة. لن ينالوا من عزيمة الشعب السوري، حتى ولو ضربوا المشافي التي تسعف الجرحى». يتجاهل ضوا تعازيه بالموظفين الأربعة الذين قتلوا إثر ضرب «سانا»، ويجزم بأن المبنى سليم لم يصب بأذى! طبعاً، الخطة كما هي العادة سياسة التعتيم التي أغرقت مؤسسات النظام الإعلامية في الفشل، والوكالة هي المثال النموذجي لهذا الفشل. لكن نسي ضوا توصية موظفيه باتباع السياسة ذاتها لو سئلوا عن دماء زملائهم التي سالت على الأرض. هكذا، صرّح محررو الوكالة لـ«الأخبار» بأنّ أربعة من زملائهم قتلوا بعد إصابة الطابق الأرضي بالقذائف، أحدهم عامل في «الكافيتيريا» لا يتجاوز 18 عاماً واثنان من موظفي الاستعلامات والرابع من موظفي الأمن بعد تحطيم زجاج الطابق. لكن في مقابل ذلك، يعبّر موظفو «سانا» عن تصميمهم على التمسّك بعملهم في مواجهة استهدافهم الذي يولّد غضباً أكثر مما هو خوف من قذائف عمياء لمعارضة تستنسخ صورة مشوهة عن الأنظمة الديكتاتورية والدموية.