القاهرة | بسبب الخوف أو عدم الرغبة أو ربما لأسباب أخرى، ظلّت المغنيات المصريات بعيدات عن خوض مجال التلحين الموسيقي، سواء التلحين لتجاربهن الخاصة أو لتجارب الآخرين منذ زمن أم كلثوم حتى زمن أنغام وشيرين، على عكس المطربين الرجال من عبد الوهاب وصولاً إلى تامر حسني، لكن يبدو أنّ ذلك يتغيّر اليوم. ضمن تغيرات كثيرة تفرضها تجارب الغناء المستقل في مصر، يخوض عدد كبير من الفنانات الشابات تجربة التلحين.


رغم أنّها بدأت مع أغنيات الشيخ إمام، واستمرت في غناء كلمات العامية المصرية الشديدة المحلية مع ميدو زهير ثم مصطفى إبراهيم، إلا أنّ الصوت القوي والحادّ لمريم صالح ناسبته أكثر ــ أو هكذا ارتأت ــ موسيقى الروك التي تتخللها بعض اللمحات الشرقية الطفيفة. أصوات الغيتار الكهربائي عالية، لكن صوت مريم أعلى. هكذا يتبدى في «وطن العكّ» الذي يبدو فيه لحن مريم للأغنية تنويعاً على اللحن الوهابي القديم «مولاي وروحي في يده»، لكنها سرعان ما تترك اللمسات الوهابية و«الشيخ الإمامية» لتقدم تجاربها الموسيقية الواحدة بعد الأخرى، فتقدم لحنها الباكي الإيقاعي «طول الطريق» من كلمات ميدو زهير، وآخر لمصطفى إبراهيم «حصر مصر» تبدو فيه البطولة للمساحات التعبيرية في صوتها على خلفية الـ «بيس غيتار».
وبالحديث عن «بطولة الصوت»، تجدر الإشارة إلى دينا الوديدي التي ارتبطت كثيراً بحفلات الورش الموسيقية وبغناء السيرة الهلالية، وظهرت في الأغنية الجماعية «خلينا نحلم» في بدايات الربيع العربي، لتقدم في تجربتها الخاصة موسيقى تستلهم الفولكلور بأنواعه المتنوعة عربياً، لكن عبر مزجه بالروك الصاخب. عُرفت دينا بأغنيتها الخاصة الأولى «الحرام» للشاعر منتصر حجازي، التي تبدأ دينا لحنها بدقّات الإيقاع الفولكلوري «الحزايني» من دون غناء، قبل أن يدخل الكمان والبيانو والغيتار لمرافقة نبرتها العالية، بكلمات تنتقد أعداء الفن والحياة «الحرام مش إني اغنّي/ الحرام مش إنّي احب/ الحرام هوة الكلام/ اللي نصّه يا عم كدب»، لكن يبدو أنّ ذلك «المزج الموسيقي» سمة محببة عند الوديدي. في أغنيتها «أدين بدين الجدعنة»، تمزج قصيدة مصطفى إبراهيم التي تحمل عنوان الأغنية، وتمزجها بكلمات ــ رثائية أيضاً ــ للشاعر جرجس شكري «زيّنوا جسمه باللي سابوه/ خربوا بلادنا والطفل قتلوه»، لكنّ الكلمات المصرية يرافقها لحن مستوحى من فولكلور شمال أفريقيا والمغرب العربي. وتقدم الوديدي مع مريم صالح تجربة مميزة في أغنية «العُرس» التي تطلب فيها الأم من الموت الابتعاد عن وليدها «احجل بعيد يا موت/ بعيد عن الناس والبيوت/ لسّاها الحياة يا دوب/ بتدب في عروق مولودي»، مع توزيع موسيقي لافت عبر مزج الغيتار والدرامز من جهة، والناي والدف من جهة أخرى.
لكن يسرا الهوّاري تمنح بطولة ألحانها لآلة الأكورديون، وهو اختيار لم يعد منتشراً كثيراً، لكنه يتناسب مع خفة ظل أغنيات الفنانة الشابة. أكثر أغنياتها نجاحاً ـ وأوّل كليباتها ـ هي أغنية «السور» التي أخذت كلماتها من كاريكاتور رسمه الفنان وليد طاهر مرافقاً إياه بالكلمات التي تنتقد «السور واللي بانيه واللي معلّيه»، لكن ليسرا أغنيات أخرى من ألحانها ـ وكلماتها أيضاً ـ مثل «جسيكا» و«يا أتوبيس». البطل هو الأكورديون الذي يمنح الألحان دوماً ملمحاً شبه مسرحيّ. وتخوض يسرا في «قطرة الندى» تجربة لحنية خاصة، إذ تنتقي كلمات لم يكتبها شاعر، بل الموسيقار عمار الشريعي ولحّنها لفيلم «أحلام هند وكاميليا»، فتعيد تقديمها بلحنها الخاص، كذلك تفعل مع قصيدة «في الشارع» لأمينة جاهين، التي كانت مقدمة لفيلم محمد خان «الحرّيف»، فتبدو كما لو كان لديها شغف بالتعامل مع التجارب الشعرية المكتوبة لوسائط أخرى، سينما أو لحن أو كاريكاتور.
قريباً من أكورديون يسرا، تحمل آية مصطفى غيتارها في كل مكان، على اليوتيوب وفي الحفلات. قدمت حفلات مشتركة مع يسرا فمنحتها زاوية موسيقية ولحنية مختلفة، ويبدو ذلك واضحاً في أغنيتهما المشتركة «أنا عايزة أروح وألاقيك» من ألحان آية وكلمات محمد الحاج، لكن الشاعر يسري سلام يبدو الأكثر تعاوناً في تجربة آية مصطفى الموسيقية، إذ تلحّن وتغني من كلماته «حضور وغياب»، «دفتر سفر»، «سكون» و«مد وجزر»، أغنيات هادئة في أغلبها وتشدو بالحنين وبالوحدة، حيث يرافق صوت آية فقط غيتارها الوحيد والحزين.




بافتح شباك الصبحية

من بين 13 أغنية في ألبومها الأول «برة منّي»، تختبر فيروز كراوية (1980) مهارتها التلحينية في أغنية واحدة هي «بافتح شباك الصبحية». تختار للأغنية لحناً شرقياً ــ هو سمة مفضّلة لكراوية عكس مجايلاتها ــ أتاح لها التفاعل مع الكلمات ذات الروح الفولكورية التي كتبها عمر طاهر: «يا مفارق من غير ما تسلّم ع العمر اللي راح/ بتقربنا جراح وتعلّم وتفرّقنا جراح». في الأغنية التي صارت من أنجح ألحان الألبوم، تستفيد كراوية من إحدى سمات تلحين المطرب لنفسه، وهي «الراحة» التي يغني بها اللحن المتناسب وطبيعة صوته، ما يتضح كذلك مع مريم صالح، التي تبدو تجربتها على النقيض الموسيقي لكراوية.