قبل مدّة، قدّم عازف البيانو والمؤلف اللبناني طارق يمني (1980) حفلة موسيقية في «مترو المدينة» هيمنت عليها أجواء الموسيقى البرازيلية. ومساء اليوم، ننتظره مجدداً، لكن هذه المرة في «جمهورية الموسيقى الديمقراطية» DRM في إطار الثلاثي الذي أسسه مع غوران كرماك (توبا) وكريستيان كراينكان (درامز). هؤلاء سيقدّمون برنامجاً مختلفاً يتضمن مقطوعات من ألبومه «أشور».


تعّرف يمني الى العازفين السلوفينيين في هولندا عام 2005. لكنّ فكرة إنشاء ثلاثي تأخرت أربع سنوات، تبعها عام 2010 إطلاق الألبوم الأول «أشور». إلى جانب قطع تنتمي الى هذا العمل، يعدّ الثلاثي لحفلة الليلة بعض المقطوعات الخارجة عن الألبوم، ومنها «الدبكة الجديدة» التي بناها يمني على إيقاعات الدبكة التقليدية.
عندما نسمع مقطوعات «أشور»، ونحاول الاصغاء الى كل من الآلات الثلاث على حدة، نشعر أنّ لكل دورها، وليست مجتمعة معاً على نحو عشوائي. البيانو يؤدي طبعاً الجمل اللحنية الأساسية. الدرامز هنا لتحديد الإيقاع، ويبدو لنا أنّ التوبا التي تحلّ مكان البايس بأدائها النوتات الأكثر انخفاضاً في السلّم، تجعل التناغم بين الآلات محكماً.
هذا الألبوم الذي يتألف من عشر مقطوعات يضمّ أعمالاً من تأليف يمني مثل Passaggiata و«سماعي يمني» و«أشور»، إضافة الى تنويع للحن أو مقطوعة معروفة مسبقاً على غرار Dexterity لتشارلي باركر، و26-2 لجون كولترين و Everybody’s Got To Learn Sometimes لجايمس وورن. في استعادته لهذه الاخيرة، يبدأ يمني بمقطع على البيانو تتكرر فيه الجمل اللحنية بطريقة «هوسية» وبإصرار، مع مرافقة خفيفة للدرامز. بعد الدقيقة الاولى، يتبدل الجو تماماً ليميل أكثر الى الحلم والخفة، مع مرافقة خفيفة للتوبا.
في مقال سابق، أشرنا الى فوز يمني بجائزة «ثيلونيوس مونك» لمؤلفي موسيقى الجاز («الأخبار» 7/2/2013)، بفضل مقطوعة «سماعي يمني» قبل نحو ثلاث سنوات. وكان المؤلف اللبناني الشاب قد عدّ العمل «تجريبياً يمزج بين الموسيقى الشرقية والجاز». في الواقع، فإنّ للأغنية نسختين. واحدة مرفقة بصوت رشا رزق مؤديةً الـ «أمان»، وأخرى آلية مع ثلاثي يمني فقط. لكل سحرها، وما يجذبها الى الأذن، إلا أنّ صوت رزق وطريقتها في التلاعب به يثبّتان العنصر الشرقي في الأغنية أكثر منه لدى وجود آلتي النفخ والايقاع مع البيانو، فيضفيان عليها نكهة مختلفة، وخصوصاً أنّ الأغنية صعبة الأداء تتبدل وتتنوع وتذهب في اتجاهات عدة.
من جهة أخرى، كان يمني قد تلقى دروساً في العزف الكلاسيكي على البيانو لبضع سنوات، قبل أن ينتقل الى الجاز. والشاب المنفتح على مختلف أنواع موسيقى العالم لا يخفي تأثره بكبار المؤلفين الكلاسيكيين وموسيقاهم التي يعدّها جزءاً من هويته الموسيقية. في الألبوم، نسمع مقطوعة مبنية على «بريلود» باخ الثاني في مقام «دو مينور» من مجموعته «الكلافسان المعدّل جيداً». يستمتع يمني بالتنويع على لحن هذا الـ «بريلود»، محافظاً على الدقة في أداء النوتات ووضوحها، وبالتالي على إحدى خصائص موسيقى باخ. وفي الوقت عينه، يضيف لمسة «جازية» من ناحية تبديل قيمة النوتات، وتطويلها تارة، وتسريع تواليها طوراً، مرافقاً إياها في نطاق الباص بآلة التوبا التي تعدّ العنصر المجدِّد في هذا
الثلاثي.
في الألبوم أيضاً مقطوعة مبنية على إيقاع الدبكة بعنوان Dabke in Eb Nakriz. صيغ إيقاعية تتكرر كأنها حركة دائرية، شبيهة بحركات رقصة الدبكة، تتبعها بعض المقاطع الاكثر بطئاً. وهنا يؤدي البيانو منفرداً.
أمضى يمني 12 عاماً في التمرين استعداداً لهذا الألبوم الذي نلمس فيه نضجاً موسيقياً ونيّة جادة بالتوصل الى صوت جديد. يرى الفنان أنّ الجاز لغة معقدة جداً لها قواعدها النحوية، لكن الأهم أنها ثمرة عمل عفوي ينبع من الذات بطريقة طبيعية لينتج عملاً له قيمته الموسيقية.






«ثلاثي طارق يمني»: 8:30 مساء اليوم ــ DRM (الحمرا ـ بيروت) ــ للاستعلام: 70/030032