دمشق | لم يتمكّن الجندي المهزوم في حرب الـ 67 من إنقاذ مريم (سلاف فواخرجي) التي يأسرها جنود العدو في القنيطرة، لكنّه يعدها بأنه سيحمي ابنتها الصغيرة زينة. في المشهد الأخير من الشريط، تغوص عجلات السيارة التي تحمل الابنة، ومريم (ديمة قندلفت) من زمن لاحق في الطين. يحاول السائق إنقاذ السيارة، من دون جدوى.

يحضر عسكريان إلى المكان فتقلع السيارة بدفعة منهما. كان أحدهما هو ذاك الجندي الذي سبق أن أنقذ الطفلة في تلك الحرب. هكذا يغلق باسل الخطيب في فيلمه الروائي الطويل «مريم» (إنتاج «المؤسسة العامة للسينما»، و«مؤسسة جوى») القوس على قرن من التاريخ السوري بكل اضطراباته وانكساراته وتطلعاته. القرن افتتحه بخروج العثمانيين من البلاد (1918) بمشهد مشابه، حين يغوص حصان في الطين، ليرافق هذا المشهد حياة مريم الأولى (لمى الحكيم) التي تنهي مأساتها بحرق نفسها في بيت الإقطاعي الذي أحضرها من قرية مجاورة لتغنّي بصوتها العذب لضيوفه في سهراته. ثلاثة أزمنة متداخلة سردياً، في مقاربة حيوات ثلاث نساء يحملن الاسم نفسه. جرعة كبيرة من الآلام في حكايات متوازية، تفترق وتتقاطع عند نقطة الحرب. كأن هذه الجغرافيا منذورة للفجيعة والخراب والمقاومة، فنحن لن نجد حكاية حب واحدة مكتملة. يستشهد زوج مريم الثانية في حرب ما، فيما تواجه مريم الألفية الثالثة حرباً من نوع آخر، حين يرفض أهل حبيبها زواجه بها لأنها مغنيّة، فيبقى مصيرها معلّقاً، من دون حيثيات واضحة.
وفقاً للسيناريو، ما زالت الحرب مفتوحة، وطاقة الأمل أيضاً، عبر شفرات خاطفة، سوف يكون الحصان ثيمتها الأساسية، في مشاهد تتخلل ذاكرة مريم الأولى من جهة، وسيرة شقيقتها حياة (صباح جزائري) التي تتخلى عنها العائلة، وتنتهي في دار للمسنين، من دون رواية حكايتها بكامل انكساراتها. هذه الخيوط المتداخلة أثقلت السيناريو، لجهة التقاط مسارات الحدث، ومآل الشخصيات وانتماءاتها في زمن مفتوح على وقائع وتحوّلات تاريخية، أرخت بظلالها على مصائر هذه الشخصيات، وتالياً صعوبة إعادة تركيبها بمرونة بسبب طول الشريط الذي قارب الساعتين. وهذا ما أوقع السيناريو في مطبات جانبية لا تتواءم مع شاعرية الصورة، وقدرة باسل الخطيب اللافتة على بناء كادر جمالي مشبع بالتفاصيل في ثنائيات متضادة، كأنه يراهن على سحر الطبيعة السورية وطهرانيتها في غسل الندوب العالقة في أرواح البشر.
لن يتوقف هطول المطر طوال الفيلم، لكن آثار الدم ستظل عالقة على جسد مريم القنيطرة، ولن تتمكّن من مسح الغبار عن أيقونة جدتها الأولى، مريم العذراء، أو صورة زوجها الشهيد، لكنها ستخلع صليبها وتضعه في عنق طفلتها، وسيحتفظ الجندي بالقلادة التي وقعت من عنق الطفلة خلال رحلة الآلام، ليعيدها إليها لاحقاً. هل نحن إزاء سيرة بلاد مصلوبة؟ هذه إحدى قراءات الفيلم، لكننا سنفتقد خصوصية الخطاب النسوي المتوقع كخيار سردي وتخييلي، على غرار ما شاهدناه في فيلم «الساعات» عن فرجينيا وولف في حيواتها المتبدّلة. تصطبغ حوارات الفيلم هنا بنبرة ذكورية، تنطوي على وهن درامي في نبش دواخل الأنثى ومكابداتها. على الأرجح، هذا ما أفقد الإيقاع بعض حيويته في مواكبة قوة وشاعرية وكثافة الصورة، وإن انزلقت حيناً إلى سرد بصري تلفزيوني، نظراً إلى الحمولة الفائضة في المشهديات الجانبية بقصد ترميم الفجوات بين أزمنة الحكايات الثلاث، كما في بعض المشاهد التي تدور في مأوى العجزة، أو عودة الجندي المهزوم (عابد فهد) إلى خرائب القنيطرة للتفتيش عن مريم، رغم خصوصية أدائه لدوره، خلافاً لآخرين. هل كان ضرورياً ربط حروب الماضي بالحرب الدائرة اليوم فوق الأرض السورية؟ سؤال سيواجهنا، ولن نجد إجابة حاسمة عنه، ذلك أن الشريط يكتفي بإشارات عجلى تخص اللحظة الراهنة.
إشارات ستبقى صوراً شاعرية مشغولة بجمالية، مقارنة بالوقائع الحقيقية لجهة العنف والخراب والموت اليومي، أو لعله أراد إعادة السؤال الأول بعد استقلال سوريا عن الحكم العثماني: ماذا ينتظر هذه البلاد بعد تحررها من الاستبداد العثماني الطويل، وهل ستنهض من كبواتها، ومن حروب الآخرين على أرضها، من «سايكس بيكو» إلى اليوم؟ المسحة الصوفية، أو النزعة الطهرانية في مقاربة التاريخ السوري عزاء سردي يقترحه الخطيب، بدلاً من خشونة الواقع وتعدد مرايا العنف التي نعيشها اليوم، فيلجأ إلى بناء وحدات أيقونية متجاورة في فسيفساء بصرية، ليحيلنا على النسخة الأصلية للتراب السوري بتضاريسه المتعددة. نخرج من صالة «سينما ستي» التي تستضيف الفيلم (حصد الجائزة الكبرى في مهرجان الداخلة في المغرب)، لنواجه سقوط قذيفة هاون على بعد أمتار من المكان، فنستعيد وقائع الشريط مجدّداً..