القدس | الفيلم الوثائقي «خمس كاميرات محطّمة» (2011) الذي يوثّق للمقاومة «السلمية» التي خاضها أهالي قرية بلعين (غرب رام الله) بين 2005 و2010 ضد الاستيطان الإسرائيلي وجدار الفصل العنصري، عُرض أخيراً في «المركز الثقافي الفرنسي ــ شاتوبريان» في القدس المحتلة. كان الفيلم الذي أخرجه الفلسطيني عماد بُرناط والإسرائيلي غي دافيدي، ورُشّح لجائزة «أفضل فيلم وثائقي» ضمن جوائز الأوسكار لهذا العام، قد أثار جدلاً حول هويته: فلسطينية أم إسرائيلية؟


كما أثار استنكاراً فلسطينياً لتمويله الفرنسي ــ الإسرائيلي. ورغم أنّ المادة الفيلمية (تصوير عماد بُرناط) تنقل مشاهد نادرة لمواجهات أهالي بلعين مع المستوطنين والجيش الإسرائيلي، إلا أنّ قصة الفيلم (غي دافيدي) توجّه تحيات مجانية لـ«معسكر السلام الإسرائيلي»، وتتجاهل أي إشارة للجذور السياسية لما
يحدث.
لم يكن بُرناط يوماً مُخرجاً أو مصوّراً، بل كان «فلاحاً ومزارعاً يعيش من خير الأرض» كما يروي بصوته قصة الفيلم. وحين رُزقَ بابنه الرابع جبريل عام 2005، اشترى كاميرا ليصوّر «ضناه» وهو يكبر. ثم وجد نفسه في معمعة صراع أهالي قريته ضد السياج الفاصل الإسرائيلي الذي قضم جزءاً من أراضيهم لتوسيع مستوطنة موديعين عيليت. وبينما يكبرُ ابنه جبريل، يخرج أهالي بلعين بعد صلاة كل جمعة للتظاهر أمام السياج الفاصل، وينضم إليهم بعض المتضامنين الأجانب و«نشطاء سلام» إسرائيليون، وضعهم الفيلم في قلب هذه التظاهرات، وصوّرهم على أنهم شُعلتها!. هكذا، راح بُرناط يصوّر كيف اعتُقل أخوه رياض؛ وكيف يواجه الجنود الأهالي بالرصاص وقنابل الصوت والغاز السّامة التي حطّمت إحداها كاميرته الأولى في خريف 2005.
يكبر ابنه جبريل، لتكون من أُولى كلماته: «جيش ومطاط وجدار». وينضم صديقه «الفيل» (الشهيد باسم أبو رحمة) وأخوه «الضبع» (أشرف أبو رحمة) إلى التظاهرات، ويعطي أحد ناشطي السلام الإسرائيليين بُرناط كاميرا مستعملة ليواصل التصوير، ويوثّق حرق المستوطنين لأشجار الزيتون انتقاماً. يُعتقل أخوه إياد، ويُصاب صديقه الإسرائيلي الذي أعطاه الكاميرا، بينما يَكسر مستوطنٌ كاميرته الثانية في ربيع 2007.
تتواصل حكاية تحطيم الكاميرات. تنقذ إحداها عين بُرناط وأُخرى حياته، لكن الكاميرا لم تخلّصه من الاعتقال، مثلما لم تردع اقتحامات الجيش الإسرائيلي. بعد التحقيق معه، يوضع تحت «الإقامة الجبرية»، ثم يعود إلى بلعين ليجد شرارة «المقاومة السلمية اللاعنفية» تمتدُّ إلى قرية نعلين القريبة، حيث أطلق الجيش الإسرائيلي الرصاص من مسافة قريبة على رجل صديقه «الضبع» وهو معصوب العينين. وبعدها، تأتي «الأخبار الحلوة» حين تصدر «محكمة العدل العليا» الإسرائيلية قراراً بتفكيك الجدار. ومع هذه «الحلوة»، يُهرول سياسيون فلسطينيون إلى بلعين للمشاركة في «دبكة الانتصار». تمرّ سنة ولا يُطبّق القرار. وفي لحظة غامضة من الفيلم، يصطدم التراكتور الذي يقوده بُرناط بالسياج الفاصل، لتُكسر كاميرته الرابعة، ويُنقل إلى مستشفى إسرائيلي، في مشاهد بدت محشوّة وموظفة لامتداح «الطب الإسرائيلي» الذي أنقذ بُرناط من الموت، بعدما أمضى 20 يوماً في الغيبوبة.
كانت إسرائيل تشنُّ هجومها على غزة حين صحا بُرناط من غيبوبته. وعندما عاد إلى قريته بلعين، كان أهلها في حداد على غزة، والمستوطنون ينقلون أثاثهم إلى الوحدات الجديدة في مستوطنة موديعين عيليت، بينما ابنه جبريل يُطفئ شمعة ميلاده الخامس. لقد كبر الولد ليشهد إزالة السياج الفاصل الذي استُبدل بجدار إسمنتي، واسترجاع أهالي بلعين لجزء من أراضيهم المصادرة. لكن الولد كبر في فيلم صوّرت بعضُ مشاهدهِ الصراع السياسي في قرية بلعين كما لو أنه صراع بين مزارعين ضد شركات بناء رأسمالية، يحميهم جنود يقومون بواجبهم غير مُختارين. فيلم حيث بعض أبطاله من «السياح السياسيين» الذين يحجّون سنوياً إلى فلسطين المحتلة، ويُجرح فيه أربعة إسرائيليين. لا بطولة منفردة لجبريل الفلسطيني. حتى في اللقطة التي يستشهد فيها «الفيل» صديقُ الأطفال في بلعين، سيصرخ أحدهم على الجنود الإسرائيليين قائلاً: «أيها الضابط، لقد قتلتم فتاة إسرائيلية»!
في عام 2009، التقى بُرناط بغي دافيدي في إحدى التظاهرات، فوقع الأخير على مادة فيلمية غنيّة هي حصيلة أربع سنوات من التصوير. هكذا، أعاد المخرج الإسرائيلي حبك قصة الفيلم، و«جلب تمويلاً من جهات إسرائيلية وفرنسية وهولندية» كما ذكر بُرناط في النقاش الذي تلا الفيلم، وكان يُفترض أن يحضره دافيدي، لولا أن طلبه بدفع مبلغ 350 دولاراً على نقاش «فيلمه» قوبل بالرفض!.