القاهرة | يحاول البائع الشاب إقناع السائحة الأجنبية بالشراء من البازار الفرعوني. ترفض السائحة وتواصل طريقها، فإذا بالبائع يمد يده ليتحرش بجسدها. هنا يخيّم الظلام على الشاشة، ثم تعود الصورة لنرى قيوداً حديدية حول يدي البائع، تترافق مع صوت ضخم يردد: «مش بس إنت اللي ها تخسر، كلنا ها نخسر، السياحة خير لنا كلنا»! المشهد التلفزيوني السابق كان جزءاً من دعاية «توعوية» أنتجتها وزارة السياحة المصرية قبل سنوات، لكن بينها وبين الحملة الإعلانية التي أطلقها الممثل المصري خالد النبوي أخيراً بعنوان «مصر ما حدش يتحرش بيها» (الأخبار 29/3/2013) الكثير من الروابط. تتجسد العلاقة بين الإعلانين في أنهما ينظران إلى التحرش الجنسي على أنّه «قضية وطنية» أكثر مما هو «جريمة إنسانية». بعبارة أخرى، كأنّما إشكالية التحرش تنبع أوّلاً من كونها «تسيء إلى مصر» قبل أن تسيء إلى الضحية نفسها. التحرش في الدعاية الأولى سيؤدي إلى خسارة إمدادات السياحة، أما في الثانية فكأنه تحرّش بمصر نفسها. ومن نافلة القول، أنّ المواطن العربي (المصري تحديداً) يعرف مصير مشكلاته، إذا تحولت إلى شعارات وطنية قومية رنانة: وجه الضحية هنا يختفي ـــ امرأة أو مواطن مسحوق أو سجين ـــ ليبرز علم البلاد، لكن ذلك مجرد جزء من المشكلة.

«مصر محدش يتحرش بيها» تبدو كما لو كانت تتناول الاغتصاب، لا التحرش (ربما لضرورات الدراما والتأثير التلفزيوني)، إذ يختبئ الجاني وراء الأشجار على طريق تسلكها الفتاة (ناهد السباعي) وحيدة، قبل أن يشدّها ويلقيها أرضاً وينقضّ عليها. تقاوم الفتاة الهجوم عبر «البخاخ الحارق» وتنجو، لتعود وتلتقي الشاب في المستشفى التي تعمل فيها (ممرضة أو طبيبة)، حيث نقل لتلقي العلاج. ويختم الفيديو بكلمة للنبوي يتوجه فيها إلى المتحرّش قائلاً: «خفت يا عنتر؟»، لينهي حديثه بعبارة: «مصر محدش يتحرش بيها».
إعلان النبوي يأتي ضمن حملة «ضد التحرش»، وهو أمر يختلف عن جريمة الاغتصاب التي يصعب على الشخص العادي القيام بها، كما أنّ عقوبتها تصل إلى الإعدام. أما التحرش الجنسي، فهو مشكلة أكبر لأنّه يكاد يشكل جزءاً من ثقافة المجتمع الذي يخلق له المبررات، ويتجاهل تأثيراته النفسية على الضحية. التحرّش في المحروسة يحصل في كل مكان: في المصاعد والأماكن العامة وأماكن العمل ويحوّل حياة الضحية إلى جحيم. وبالتالي، فالتركيز في الحملة التلفزيونية على مشهد اختطاف أو اغتصاب، لا ينجح سوى في التقليل من أهمية الظاهرة!
لكن الميديا عموماً، لا الدراما التلفزيونية فقط، تنحو بمشكلة التحرش دائماً إلى سياقات أخرى. حين أثيرت قضية التحرش الجماعي في ميدان التحرير وغيره من الميادين العامة، وضعتها البرامج التلفزيونية في سياق «عصابات يحركها الإسلاميون لمنع المرأة من المشاركة في الحياة السياسية». قد يكون هذا صحيحاً نوعاً ما، ولا سيّما أنّ برامج دينية مختلفة ساهمت في التحريض الواضح والموثّق ضد المتظاهرات، لكنّ تركيز الإعلام على الأبعاد السياسية للتحرش الجماعي يشوّش على جوهر المشكلة. الخلل الأساسي يكمن في الثقافة التي أوجدت مئات المتحرشين المستعدين لارتكاب هكذا اعتداءات، ما تنافى مع حقيقة مثبتة مفادها أنّ حوادث «التحرش الجماعي» تعود إلى سنوات قبل «ثورة 25 يناير». مرة أخرى، يبدو كأنما الجريمة التي تتعرض لها فتاة تمشي في الشارع أقلّ من أن تلفت نظر الميديا ما لم تكن ضمن إطار سياسي أو وطني، فالضحية التي يهتم بها الإعلام هي المناضلة التي اعتدي عليها في الميدان، لا الفتاة «العادية» التي تحرشوا بها في الطريق. وبخلاف حملات التوعية وبرامج الـ«توك شو»، فللكوميديا طريقتها في تناول مشكلة التحرش، وهي عادة ما تذهب نحو تصوير التحرش في صورته العكسية. النماذج كثيرة، أبرزها اسكتش من برنامج «ربع مشكل»، صوّر فتاة (منى هلا) وهي تتحرّش بشاب أثناء وجودها في أحد المقاهي، وما إن تصل خطيبته (دعاء طعيمة) حتى تزجر الفتاة المتحرشة، ثم تلقي باللوم على الشاب بسبب ملابسه!
لا شك في أنّ الاسكتش الفكاهي استطاع تفجير الضحكات، لكن في مجتمع لا تتضح فيه المسافة بين الغزل (المعاكسة) والتحرش، لا يبدو أن مثل تلك الأعمال تحقق أكثر من هدفها الكوميدي، لأنّ الكثير من الشبان سيرحّبون بأن يكونوا «ضحايا» للتحرش الأنثوي.
مع ذلك، يبدو أنّ المحاولات الكوميدية قد اقتربت من لبّ المشكلة أكثر مما فعل غيرها، إذ إنّها تناولت جوهر عملية التحرّش، من دون إضافات تلمعها أو وضعها في سياقات تشوّش عليها. لكنّ الكوميديا وحدها لا تستطيع تحليل هذه المشكلة المعقدة، وخصوصاً في ظل وضع الجهات السياسية (الثورية والإسلامية) الظاهرة في إطار الاستقطاب السياسي، فتتحوّل التبريرات والتفسيرات بدورها إلى حجج سياسية. حجج لا تجيب عن الأسئلة الأساسية، مثل «لماذا يتحرش الأطفال (غير المكبوتين) بالنساء؟»، و«لماذا تشترك الأنظمة (قبل الثورات وبعدها) في إهمال التشريع الصارم لعلاج المشكلة؟»، و«لماذا تختلف المرجعيات الدينية حول الظاهرة، إلا في إلقاء اللوم على المرأة؟». قد يكون كل ذلك نابعاً من كون المجتمع ـــ تماماً كالميديا ـــ يرى أنّ التحرش وحده لا يكفي للفت الانتباه.