تنهي أليف شفق (1971) روايتها «قواعد العشق الأربعون» (دار طوى ــ ترجمة خالد الجبيلي) بعبارة من شمس الدين التبريزي «يصبح الكون مختلفاً، عندما تعشق النار الماء». علاقة الروائية التركية بمناخات التصوّف ليست جديدة. بدأت حياتها الأدبية برواية «صوفي» (1998)، ثم «مرايا المدينة» التي اختبرت خلالها تمازج التصوّف الإسلامي واليهودي في القرن السابع عشر.


هذه المرّة تعود إلى القرن الثالث عشر لتقتفي أثر شمس الدين التبريزي، إحدى أكثر الشخصيات المتصوّفة إثارة للجدل، والعلاقة الروحية التي ربطته مع مولانا جلال الدين الرومي، في رحلة تمتد من سمرقند وبغداد، إلى قونية التركية، مروراً بدمشق، ليلقى حتفه في قونية، على يد قاتل مأجور، كان أحد أتباع فرقة الحشاشين في «قلعة الموت». لكن هل نحن إزاء رواية تاريخية؟ في الواقع، صاحبة « لقيطة اسطنبول» تشتغل على زمنين ومكانين متناوبين: الأول يدور في قونية القرن الـ13، والثاني في أميركا القرن الـ21. مخطوطة لكاتب مجهول يدعى عزيز زاهارا بعنوان «الكفر الحلو» تزلزل سكينة إيلا روبنشتاين التي تعد تقريراً عن الرواية لمصلحة دار نشر أميركية. تكتشف المرأة الأربعينية وهي تتوغل في سطور المخطوطة عالماً روحانياً لم تختبره، فتقرر مراسلة كاتب الرواية على عنوانه الإلكتروني، فتنشأ بينهما علاقة حب افتراضية، تطيح مسلمات المرأة، وتخرجها من قوقعة حياتها الرتيبة، فتهجر زوجها وأطفالها، وتتبع أهواء قلبها بصحبة عزيز زاهارا، الاسكتلندي الذي أعلن إسلامه بعدما عاش تجربة التصوّف في المغرب. خلال تصفّحها مخطوطة الرواية، تتعلّق إيلا اليهودية بالمتصوّفة الإسلاميين وطقوسهم، خصوصاً بعد اكتشافها أشعار جلال الدين الرومي، وقواعد العشق الإلهي الأربعين التي يسعى الدرويش الجوّال شمس التبريزي لنشرها في العالم خلال رحلته الطويلة، وتأثر جلال الدين الرومي بتعاليمه، وذلك الصراع المحتدم بين رجل الدين والصوفي، أو بين العقل والقلب. تستعير أليف شفق في سرد روايتها التي انتقلت أخيراً إلى العربية، بنية رقصة الدراويش الدائرية. هكذا تتناوب أصوات الرواة في رسم فضاءات متجاورة، تقترب، وتبتعد، ثم تتقاطع عند المركز، أو جوهر الصوفية. هذا الجوهر الذي لا يمكن أن يصل إليه المرء إلا بعد مكابدات جسدية شاقة.
تفحص أليف شفق الفروقات في الأديان، فتجد أنها تختلف في الشكل وليس في الجوهر، كما تنبّه إلى ضحالة عالم اليوم، وهو يغرق في الصراعات الدينية، وانخراطه في المتع الدنيوية على حساب الروحانيات. وفقاً لتعاليم الصوفيّة «الجحيم يقبع في داخلنا، وكذلك الجنّة». هذا الاكتشاف سوف يعيشه عزيز زاهارا بعد قرون، حين يتقمّص روح شمس التبريزي وتعاليمه في العشق الإلهي، كما ستجد إيلا شبهاً واضحاً بين شخصية عزيز الحقيقية، وصورة شمس، مثلما تخيّلها في روايته. إيلا التي كانت تجهد لتغيير حياتها، ما زالت عند عتبة الصوفية لا أكثر، فهي كانت تسعى لاكتشاف جسدها الذي أهملته طويلاً، فيما تجاوز عزيز متعه الدنيوية، فتُصدم بتحولاته الروحانية، لكنها تجاريه في مغامرته كدرويش جوّال معاصر، وترافقه إلى قونية، ليموت هناك، ويُدفن بالقرب من قبر جلال الدين الرومي.
عدا السرد الدائري الذي اعتمدته الرواية، هناك مرتبة أخرى في مقاربة الصوفيّة من داخلها، إذ تعتمد على الرقم أربعة في بناء ملاط عمارتها التخيلية، فتنهض فصول الرواية على أربعة عناوين تتمحور حول التراب والماء والريح والعدم، إضافة إلى تعاليم العشق الأربعين التي تتسلل تدريجاً في المتن، إلى حدود الشطح، كأنّ الأربعين هي البرزخ في عبور الدنيوي إلى العشق الإلهي، وإلا ما معنى أن تهجر إيلا حياة مستقرة، وتذهب إلى مغامرة خطرة بصحبة رجل لا تعرفه إلا عبر الرسائل، وما الذي يعصف بحياة رجل دين مثل الرومي، ليتحوّل إلى شاعر تعبر قصائده القارات، وأن تهجر عاهرة مبغاها بمجرد أن أنصتت إلى أقوال درويش متهم بالزندقة؟ ليست الأقدار وحدها من غيّرت مصائر هؤلاء، لكنه الحب في جوهره العميق. حكايات الدراويش إذاً، وفقاً لما تتطلع إليه أليف شفق في روايتها، محاولة لترميم عطب عالمنا المعاصر، ومعرفة ثقافة «الآخر» بقصد تخفيف وطأة الصراعات الدينية، والتعصّب، والنزاعات السياسية على السلطة، وما اختيارها القرن الثالث عشر الذي شهد أكثر الفترات اضطراباً (الحروب الصليبية، وغزو المغول للشرق الإسلامي، واقتتال الطوائف) إلا بوصفه صورة موازية لما يشهده قرننا الحالي من وقائع مشابهة لجهة الحروب والعنف والخوف. الرواية دعوة إلى «روحانية عالمية شاملة»، ورقصة جماعية تلغي الفوارق بين البشر عبر «الجهاد الداخلي»، أو «جهاد النفس»، وقهرها في نهاية الأمر، كما سمّاها جلال الدين الرومي قبل 800 عام.




البدوية المترحّلة

تعتمد أليف شفق في كتاباتها على مزج الوقائع التاريخية والوثائق والشهادات بالتخييل، وإن صبّت جلّ اهتمامها، في أكثر من عمل روائي، على تاريخ الصوفيّة باعتبارها عزاءً روحياً في تنقية الهواء بين المذاهب المتضادة، وإطاحة الهويات الضيّقة والقاتلة. هكذا رسّخت البدوية المترحّلة، كما تقول عن نفسها، مدوّنة للعشق الكوني، فاختلطت في سجادتها السحرية خيوط من اللغات والرموز والإشارات. ليست روحانية هذه الروائية المتمرّدة إذاً مجرد وصفة استشراقية، أو صيدلية للتداوي بالأعشاب، على غرار ما يكتبه باولو كويلهو مثلاً، بل كتابة طالعة من خبرة أصيلة، ووجع حقيقي، وقلق عميق، مما نعيشه اليوم بجلاء، في عالم ذاهب إلى حتفه، تحت وطأة العنف والكراهية والصراعات الدامية.