لينا هويان الحسن*

لا شأنَ لنا، هكذا تهمس لنا الفيحاء وجلّق، رغم هذا الزمان المقفر المليء بليل مطبق. رغم كل شيء، غوطة دمشق الشهيرة تزهر. اللوز كالعادة سَبَقَ كل الشجر وأزهر، والمشمش أزهر، والخوخ أزهر، والكرز أزهر. لكنّ للموت زهرته، زهرة شهيرة في تاريخ سوريا، ألم يحفل تاريخنا بإله قتيل ومغدور اسمه «أدونيس»؟! الرب الوسيم الذي راح يتصيّد الأيائل لعشتار في غابة تربّص بها الموت، قتله خنزير بري، ومن دمه نبتت شقائق النعمان، مستثمرة أحمر الدم لتشكّل جمالها الصارخ.

زهر شقائق النعمان مثل مصباح يشتعل في أرض الموتى يتلوى من الغمّ والموت، ويغدو أكثر احمراراً وجمالاً واستفزازاً، فيما يتسرب لونه الأحمر في مسارب الغوطة التي تلملم براعم كثيرة مفصولة عن أغصانها، متحديّاً زهر اللوز والمشمش والدراق والخوخ والكرز والتفاح.
أي صراخٍ شَبّ على فمٍ نادب حتى تجرّأت يا شقيق النعمان وضرجت الشام؟! حولتها إلى حديقة موتى وبستان أحزان! أيا شقيق النعمان، يحق لي أن أسميّك عرابَ الربيع الأسود وسادنه. لونك ذاته لون هذا القلب الذي يقودنا إلى جميع الأحزان والعكس صحيح. دمشق ستصنع من استنزافها المرير عظمتها وبرهانها.
ستنبت شقائق النعمان من قلبها الملتهب، من وجودها الذي لا يهدأ ويحترق. امشِ في شوارعها وتحدَّ الموت الذي لا تعلم متى يشهر سواده في وجهك عبر قذيفة هاون قد تقتلك أو تشوهك في أية لحظة. وإن لم تفنك أنت، فإنها ستفعل ذلك مع غيرك من أبناء وطنك المثلوم بشتى الخيانات والصفقات.
رغم كل شيء، تزهر غوطة دمشق وتجعلك تستمع لنشيد طيورها التي صمتت في وجه الربيع، حيث يأتي الفرح ولا يأتي ويأتي الحزن ويأتي. جرّب وغادر دمشق للحظة، تظن أن كل شيء يبتعد، كل شيء يتفكك، أرض أنهكها ليل مدلهم، وشتاء موحل معتم، شَقّقَها الحزن دون رحمة. يزهر الخوخ والمشمش والدراق ويظل الحضور الأنقى هو الدم المراق عبر شقائق النعمان. لكي تحيا، ينبغي عليك أن تعبر الموت، هكذا تقول لك شوارعها في كل لحظة. ايهِ دمشقُ: تعبرين كل مراياك المؤطرة بموازييك الزمن الفاخر لعلك تعثرين على صورتك: الجديدة، القادمة، المقبلة، والمحتملة. ماذا يلزمك يا أدونيس أكثر من الأيّل الذي سحبك نحو حتفك؟
التاريخ يعيد نفسه من دون خجل أو وجل، وها هو أدونيس الرب السوري العتيق يقف في عتمة وجه جامد لا ملامح له إلا اللامتعين اسمه «السياسة»، كمثل أيّلٍ مطارد في تخوم الهاوية، هاوية لا قرار لها إلا عتمة الموت. النار لا تشتعل عبثاً تماماً مثلما اللوز الذي لا يزهر إلا ليثمر. ثمار ربيعٍ ربما لا يقدرُ أي صيفٍ أن يُنضجه.
* روائية سورية