كان «ساسوكي» بطلاً للعموم. دبّ كارتوني يقاتل من أجل السلام. على الأرجح، لم يرغب أحد من أبناء ذلك الجيل في أن يقلّد تسريحة شعره. لقد بدا الأمر مستحيلاً: التحول إلى أبطال، إلى مقاتلين على هذا النحو الأليف. كانت الشخصية يابانيّة تماماً. «ساسوكي»، الذي لا يعرف أحد إن كان هذا اسمه الحقيقي، أو من اختراع المدبلج، كان صاحب شعر مربوط، وصوت ناعم على مقاس الآذان الصغيرة. رغم ذلك، كان بطلاً، أتاحت له الطفولة أن يكون عكس المعايير السائدة. «ساسوكي» كان «معلّم» العلاقات العاطفيّة الأول لأطفال كثيرين، وكانت للمسلسل أغنيّة «ثوريّة»، تحرّض على البطولة. أغنية على مقاس تلك الفترة، ويشبه لحنها فترة التسعينيات. فجأة، اختفى «ساسوكي»، وبقيت منه مقاطع على يوتيوب ينظر إليها كبار اليوم.


وبعدما عرفوا معنى الدبلجة، عليهم أن يعرفوا معنى النوستالجيا. وفي حالة «ساسوكي» إنه حنين مجاني. بإمكانهم أن يضحكوا طويلاً، عندما يتذكرون كيف حلموا بفتاة كحبيبة ساسوكي التي غزت قلوب الأطفال عبر شاشة، أو بسيف يحوّل الأعداء إلى سراب. في الواقع، أكثر ما يمكن أن يحصلوا عليه هو نسخات «مقرصنة» من المسلسل. لكنهم لن يحصلوا على ذاكرتهم، فشاشات اليوم ذهبت في اتجاه آخر. لم يعد «ساسوكي» بطلاً. كان على الأطفال أن يعرفوا أن صيحة «ساسووووووكي» التي يطلقها مؤدّي الأغنيّة في النهاية تعني رحيله الأبدي.
حاله حال «غرانديزر». صاحب القرنين الأصفرين الشهيرين، الوحش الإلكتروني، منقذ البشريّة الافتراضي، الذي بكى كثيرون لأجله في الحلقة الأخيرة. أعيد عرضه لفترة طويلة، لكن منتصف الألفيّة الماضيّة، انتهى «غرانديزر» تماماً، مات. لكن يوتيوب يحيي «الكارتون» وهي رميم. هناك، حيث يصدح الفنان اللبناني سامي كلارك: «هيا طِر يا غرانديزر»، تتذيل الفيديو مجموعة تعليقات. نوستالجيا عربيّة. «كبرنا جداً». «أشعر أني صغير من جديد». لا وقت للتحليل النفسي. و«غرانديزر» كما «ساسوكي»، جزء من الذاكرة الجماعيّة. يتداول الناس هذه الأغنية على هواتفهم النقالة رغم أن أعمار بعضهم تجاوزت المرحلة بكثير. هل يعني ذلك أن العرب «نوستالجيّون»؟ المؤكد أن «غرانديزر حيّ فينا». وفهم كبار المرحلة لحربه الفضائيّة، قطعاً، لا يتجاوز طفولاتهم، أي إنهم ما زالوا يرونه في الصورة ذاتها، ويلصقون به الإنجازات ذاتها. وعلى نقيض منه، سيكتشف كثيرون لاحقاً أن «سلاحف النينجا» سمّوا في الدبلجة على أسماء فناني عصر النهضة الإيطاليّة: ليوناردو (دا فينشي)، رافاييل، دوناتيللو، ومايكل أنجلو. ولا مفرّ من الاعتراف بأنّ الأخير كان ألطفهم، وكذلك كان الفنان الإيطالي الذي عرف عنه أنه كان يشتري العصافير في أقفاص ثم يطلق سراحها. حسناً، هذا ربط غير طفولي أبداً، لكنه جائز. في الواقع، كانت «سلاحف النينجا» مهووسة بالبيتزا. وهذا إيطالي أيضاً، كأسماء السلاحف الودودة التي حاربت الشرير.
«جونغر» حارب الشرير أيضاً. واليوم، يستخدم اسمه للتهكم على «مدّعي القوة». ليس غريباً أن يكون «جونغر» رمزاً للقوة، ويبقى اسمه متداولاً بعد توقف عرضه بفترة طويلة. الغريب أنّ الرجل الحديدي صاحب الأنف المربع، المطلي بالأحمر والأزرق، ياباني الاختراع هو الآخر، أو صيني. لا حاجة إلى كل هذا اليوم، فالجميع قادر على الإنتاج، يعني ذلك أن الأبطال لن يأتوا من مكان بعيد هذه المرة، لن يغزوا الشاشات، ولن يشعر الأطفال أنهم سيقفزون منها. الممثلون (الشهيرون) الذين وجدوا آنذاك في «الدبلجة» أعمالاً تحرك ركود عملهم الأصلي، خسروا أعمالهم لصالح وفرة الإنتاج البائس. والآن، يبدو الكارتون طبيعيّاً لا يحفر عميقاً في الذاكرة. تبدو هذه «نوستالجيا» زائدة، لكن اسألوا أطفال اليوم عن أبطالهم. إن لم يتحدثوا عن سياسيين، فسيسمّون لاعبي كرة قدم. بدلاً من «ساسوكي» هناك ليونيل ميسي، وبدلاً من «جونغر» هناك رونالدو. ولا يعني ذلك أنّ العالم صار واقعيّاً أكثر، على العكس، لقد صار الواقع مبالغاً فيه حتى صار خياليّاً هو الآخر. وقد لا يكون سبب هذا طفرة الشاشات فحسب، خصوصاً المتخصصة منها، فالمتغيرات الديموغرافيّة لها دور في تحديد أطباع البشر الاستهلاكيّة.
لفترة طويلة، ظل «أطفال الجنوب» في لبنان مدمنين على محطة «الشرق الأوسط» اللحديّة. والقول إنها «لحديّة» يعني أنها معادية. حتى أول التسعينيات، لم يكن باستطاعتهم الدخول إلى التلفزيون إلا عبر هذه المحطة. لقد احتُكرت أحلام الصغار أيضاً. كرهوا أصحابها لأسباب لا يعرفونها من دون أن يلغي ذلك أنّ القناة كانت نافذة يطلّ منها «بيل وسبستيان» مثلاً. يبكون من قهر أصحاب المحطة، ويبكون إذا حجبت عنهم حلقة المساء. كان التلفزيون شغفاً، يكاد لا يقل عن «التحرير»، إذ نتحدث عن أطفال. ويصح الأمر نفسه على البقاعيين الذين لم يشاهدوا خلال طفولتهم، منذ نهاية الثمانينيات حتى آخر التسعينيات، سوى القناة الرسميّة السوريّة. تعرفوا إلى «السيدة ملعقة» هناك، وفي وعيهم الجماعي، «زينة ونحول» هي أول «قصة حبّ» في التاريخ. هناك أيضاً شاهدوا «الكابتن ماجد» الذي كان يستغرق نصف الحلقة للوصول إلى المرمى، وتتدحرج الطابة أمامه بينما يبقى في مكانه، مع ذلك صدّق الجميع وهتف مشجعاً. لقد تدحرج الوقت فوق «الكابتن رابح» أيضاً! وحدهم السنافر نجوا من النسيان. أخيراً، عُرض فيلمهم الأخير في صالات بيروت. لكن الفيلم شيء والجلوس خلف التلفزيون «قبل النوم» شيء. في أي حال، تعرض الآن محطة «كارتون نيتورك» حلقات منقحة من هذا المسلسل العجيب. لكن سرعان ما يكتشف المشاهد أنها حلقات «مقلّدة». الأصوات جديدة، والسنافر يبرقون، والعرض سريع كأنه يلهث، كذلك ازداد عدد السنافر. لقد مات السنافر الذين نعرفهم أيضاً إلا من ذاكرتنا. يبدو أن «شرشبيل الاستهلاك» قضى عليهم، وكان هذا آخر عملٍ فعله في حياته!