بغداد | «نتوقع كلّ شيء في هذا البلد». عبارة قالها صحافي نجا من هجوم تعرّضت له أربع صحف في بغداد خلال الأسبوع الماضي («البرلمان» و«الناس» و«الدستور» و«المستقبل العراقيّ») بعدما اضطر إلى القفز من مبنى جريدته، هرباً من حملة شنّتها مجموعة مسلّحة على الوسيلة الاعلامية التي يعمل فيها، والاعتداء على العاملين بالسكاكين وبعض الأدوات الحديدية. كلام الصحافي اختتم يوماً طويلاً من الهجمات التي طالت الصحف الأربع التي تقع مقارّ ثلاث منها في حيّ الكرادة في بغداد، وهي منطقة محصّنة بسبب التواجد الأمني المكثف القريب من مداخل المنطقة الخضراء. لعلّ حكاية الأسبوع الماضي تحمل معها تطوّراً نوعياً في طريقة التعامل مع الصحافة المقروءة في بلاد الرافدين. بكل حرية، تجوّلت المجموعة المسلّحة التي تربو على 50 شخصاً بين الساعة الواحدة ظهراً والسادسة مساء، ودخلت مقارّ الصحف المذكورة، وعبثت بمحتوياتها واعتدت على العاملين فيها. بدأت الاعتداءات بالهجوم على صحيفة «البرلمان» وتحطيم أجهزة الكمبيوتر وضرب العاملين، مع كتابة عبارات على جدرانها من بينها «جريدة عميلة تعمل من أجل الدول الخارجية وصحيفة الكذب والافتراء».


وجاء هذا الهجوم على «البرلمان» بعدما اجتمعت مجموعة من رجال الدين والشيوخ مع رئيس تحريرها أحمد ضياء الدين، وبحثوا بشأن خبر نشرته الصحيفة في عددها الاثنين الماضي، وتحدث عن رجل الدين محمود الصرخي حاملاً عنوان «يطالب بريع العتبة الحسينية واحتلالها. الصرخي يستقر في كربلاء مع 300 ألف من أنصاره». وأوضح أحمد ضياء الدين أنّ الخبر منقول من إحدى وكالات الأنباء، لكن للأسف لم يقتنعوا بما قاله. وبعد كلام طويل، غادر الشيوخ الوسيلة الاعلامية، وما هي إلا دقائق حتى هاجمت مجموعة من الشباب مقرّ الجريدة وكانوا يحملون أدوات حديدية، واعتدوا على بعض العاملين فيها. في الوقت نفسه، هاجمت صحيفة «الناس» مجموعة من الشباب، قيل إنّهم الفرقة ذاتها التي هاجمت «البرلمان»، لكن لم يتمّ التأكد من الأمر. ثم أتى الدور على صحيفة «الدستور»، إذ تعرّض أربعة من موظفيها لضرب مبرح وبعضهم في حالة خطيرة، كما قام المهاجمون بتحطيم جميع أجهزة الوسيلة الاعلامية، فضلاً عن سرقة سجل يحمل أسماء الموظفين. نصف ساعة مرّت، وكانت المفاجأة أنه أعلن في وسائل الاعلام عن تعرّض صحيفة «المستقبل العراقي» لاعتداء بالطريقة نفسها. اضطر موظفو الجريدة إلى الهروب بعدما أخبرهم زميل لهم بضرورة أن ينجوا بأنفسهم، لأن مبنى الصحيفة تعرض لاقتحام من قبل مجموعة مجهولة. لكنّ المقتحمين اكتفوا بإحراق سيارة رئيس التحرير وتكسير زجاج الغرف الخارجية.
وحالما أخذت وسائل الإعلام تنسب الحدث إلى الصرخي وجماعته، أعلن مكتب الأخير براءته من العمليات التي استهدفت مركز الصحف الأربع في بغداد. في السياق نفسه، تساءل مدير «مرصد الحريات الصحافية» زياد العجيلي عن «أسباب عدم ردع هذا الهجوم من قبل القوات الأمنية، خصوصاً أنّه وقع في منطقة يكثر فيها انتشار القوات الأمنية». في حين دعت «نقابة الصحافيين العراقيين» في بيان حصلت «الأخبار» على نسخة منه إلى «توفير بيئة آمنة للعمل الصحافي تمنع فيه المتجاوزين على القانون، من تهديد حرية الصحافة تحت أي ذريعة ومسمّى وبأيّ صفة كانت». وأعربت «بعثة الأمم المتحدة» في العراق عن إدانتها للهجمات التي استهدفت الصحافيين ووسائل الاعلام في بغداد واعتبرت ذلك الهجوم غير مقبول «تحت أي ظرف من الظروف».
واحتج عدد من الكتاب والصحافيين على ما تعرّض إليه زملاؤهم، سواء بالتعليق عبر الفايسبوك أو من خلال كتابة مقالات تحلّل ما جرى من أحداث، ومنها مقال كتبه رئيس تحرير صحيفة «العالم» فراس سعدون. اعتبر الأخير أنّ «قصة الهجوم المنظّم على الصحف محيّرة في بلد مجمل مستجداته محيّرة وشائكة أيضاً. فكيف تمكّن العشرات من التنقل بين مقرّ صحيفة وأخرى والاعتداء على العاملين فيها، من دون أن تصل معلومات الى الجهات الأمنية؟». وفي السياق نفسه، احتجبت بعض الصحف العراقية يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين احتجاجاً على مهاجمة تلك الصحف.
في المحصلة، لم يكن أداء الأجهزة الأمنية إزاء التعرّض لوسائل الاعلام مقنعاً. يمكن أن نعدّه مخجلاً لأن مبنى جريدة «المستقبل العراقيّ» يقع إلى جوار منزل مسؤول أمني كبير، لكن عناصر الأمن لم يتدخّلوا رغم أنّ الحادث وقع أمام أعينهم وفي وضح النهار. المخجل أكثر هو تلكؤ الجهات الأمنية أمام اتصالات الإغاثة من الصحافيين المعتدى عليهم، والحجّة أنّ هناك «50 مقر صحيفة (في منطقة الكرادة المستهدفة)، فلو قمنا بإرسال دورياتنا لها، لخلت شوارعنا من الشرطة»!




لا شيء إلا... كلمات

كان وكيل وزير الداخلية عدنان الاسدي أكد قد في مؤتمر صحافي أن «الوزارة تملك صور الأشخاص الذين هاجموا الصحف الأربع في بغداد الأسبوع الماضي»، مؤكداً «أنها ستلاحقهم للقبض عليهم وتقدّمهم للقضاء». وأضاف الأسدي أنّ «ما تعرّضت له الصحف يمثل اعتداء على الصحافة المستقلة وتهديداً للكلمة الحرة»، مشدداً على أن «الوزارة ستصل إلى هؤلاء الجناة وستحيلهم إلى السلطة القضائية لينالوا جزاءهم العادل». لكنّ صحافيين عراقيين شكّكوا في جدية الاجراءات الأمنية، خصوصاً إذا ما استعدنا كمّ التصريحات التي تخرج إلى العلن بعد كل حادث أو اعتداء أو حتى اغتيال يطال زملاء المهنة في بغداد.