يُلقن المخرج السويدي بيتر شيلدت درساً لصنّاع السينما التجارية، خصوصاً الأميركية في فيلمA Thousand Times Stronger الذي عُرض أخيراً في عمان، إذ يكسر مقولاتهم الجاهزة حول العلاقة بين الجنسين. يُقّدم الفيلم نقداً لاذعاً للنظام الاجتماعي الذي يحدد فيه الذكور ــ منذ مراهقتهم ــ مواصفات الفتاة المثيرة، ويتم باكراً مصادرة حقها في الاختيار، وفرصتها في النضج مستقلة بجسدها ورأيها.


اختطاف خيارات الفتاة يُكرّس عبر نظام تعليمي تشيده وصاية أبوية في مجتمع غربي يبدو متماثلاً مع نظيره العربي، وإن بدت الصورة مقلوبة؛ فالأول يسلّعها بذريعة تمكينها، والثاني لدواعي القِوامة. ينبني العمل على نص الرواية الأكثر مبيعاً لكريستينا هرستروم التي كتبت السيناريو أيضاً، عبر تسجليها مجريات الأيام الدراسية من وجهة نظر الطالبات، وما يطرأ على سلوكهن الشخصي من متغيرات نتيجة التفاعل مع زملائهن من الذكور. تركّز الكاميرا على ميمي التي تأتي تصرفاتها كردود فعل تجاه نظرة الجنس الآخر. تبرز آلية الاستجابة لسلطة الذكور من خلال ساين التي تروي أحداث الفيلم، وهي فتاة خجولة وانطوائية تعيش صراعاً داخلياً حول هيمنة الفتيان وعملية التهميش المستمرة لها ولعدد من زميلاتها. مع التحاق فتاة جديدة تدعى سيغا بالمدرسة، يهتز النظام التعليمي السائد الذي تواجهه بذكائها وإيجابيتها في التعامل مع محيطها، وقوة شخصيتها غير المحكومة بصورة نمطية بعينها. تشكّل سيغا حالة مثيرة للاهتمام، حيث تخفت سطوة الطلبة الذكور، نتيجة عدم اكتراثها بتعليقاتهم ومحاولاتهم الفاشلة في إبداء إعجابهم بها، كما يسيطر القلق على ميمي المعتادة على تحقيق حضورها بناءً على تقييم الذكور لها، وسرعان ما تنكسر الحدود المتوهمة بين الجنسين، ويلتف الجميع حول سيغا باعتبارها شخصية مركزية تعيد إنتاج علاقاتهم على نحو أكثر توازناً. في المقابل، يلجأ النظام إلى احتواء الضيف الجديد. بدل الاستفادة من الأجواء الصحية التي خلقتها سيغا، يطالبها المدرّس بمساعدته على إرشاد الفتيات إلى الطرق المناسبة في التعبير، وعدم السماح للذكور بالمشي وراءهن. تنقلب هذه التوجيهات على المدرس نفسه، وبالتالي على المنظومة التعليمية بأسرها، إذْ تقوم سيغا بتفكيك الدور المرسوم لها والأدوار المتوقعة من زميلاتها، فتتحول حصص الرياضة إلى دورس للرقص، وتعترض الفتيات على أسلوب التدريس، ويتسبب ذلك في تلقيهن عقاباً جماعياً يرفضنه ويغادرن على إثره المدرسة. يجتمع مدير المدرسة مع الطالبات المتمردات من أجل استرداد السلطة القائمة على ثنائية «المراقبة/ المعاقبة»، ويهدد بمنعهن من حضور حفلة التخرج في حال عدم العودة إلى سلوكهن المعتاد. تقرر سيغا ترْك المدرسة، بعد مواجهة مكشوفة مع المدرس أمام زملائها، وحالما تغادر الصف، تثور ساين على صمتها وعزلتها التي امتدت طوال الفيلم، وتصرخ في وجه مدرّسها وتنعته بالنفاق. يعود النظام إلى سابق عهده، لكن ثمة أثراً لا ينسى تركته سيغا في أعماق ساين التي أصبحت أقوى بألف مرة.