مثل الأيقونات التي تزيّن الكنائس، يطلّ وجه أم كلثوم في معرض جورج بهجوري (1932) في «غاليري مشربية» في وسط القاهرة. شغف الفنان المصري المعروف بأم كلثوم قديم، متأصل في روحه. معرضه «أم كلثوم... مصر التي بخاطري» يمثّل رؤيته كعاشق لـ«كوكب الشرق» أولاً، وكفنان رأى فيها أيقونة الهوية المصرية، فحمل وجهها في لوحاته كما كان صوتها خلاصة الشخصية المصرية المبدعة. في لوحاته، يتجسد الزمن. أم كلثوم ذلك الصوت الذي تجاوز حدود إمكاناته وقدرته على التطريب، إلى وجوده كذات واعية في الضمير المصري والعربي وقتها. امتداد هذا التأثير وصيرورته ظهرا في لوحات بهجوري، إنه لا يرسم أم كلثوم كما نعرفها. إنه يعيد بناء تفاصيلها بعد تفكيكها، يرسم قيمتها وصيرورتها عبر الزمن. الوجه مستغرق في الغناء، رغم تبدل أحواله من لوحة إلى أخرى. يحتلّ الرأس اللوحة كاملة أحياناً. المنديل هو الغالب على لوحات أخرى، كأنّه جزء من جسدها مثل الصورة التي استقرت في أذهاننا عن «الست» من الحفلات القليلة التي وصلتنا. تستطيل الرقبة، يكبر الفم، يظهر عازف العود من خلفها بنفس تركيبة ملامحه وشاربه الصغير. الفرقة كجزء من الحالة الكلثومية.


يعبر بهجوري عن قيمة أم كلثوم من خلال لوحاته. حالة السخرية الهادئة التي اكتسبها من رسمه للكاريكاتور، جعلت اللوحات على حافة الرسم الكاريكاتوري. البذخ اللوني يضفي الحياة على منسوجته الفنية، ورهافة الجسد مرسومة على خلفية واقع لم يعد موجوداً بكنه يستعيد معناه مع «الست». لوحات تتكلم، بل تغني، تتقاطع الحواس في فضاء اللوحة، وحساسيتها معبّرةً بمعطياتها، وبنيتها اللونية عن شجن خاص، يستعيد نوستالجيا الصوت والصورة.
أم كلثوم تلك الحالة الفريدة في السياق الفني العربي، الفلاحة المصرية الآتية من المنصورة إلى القاهرة بجلباب تنشد مدائح نبوية، تحوّلت إلى مطربة من الصف الأول، صاحبة العصمة في عهد الملك فاروق، و«كوكب الشرق» وسيدة الغناء العربي في عهد جمال عبد الناصر. صارت الرمز الذي أخذ قيمته بلاغياً من قدرته على اختزال الروح المصرية، ثم العربية. وجه أم كلثوم الذي نقّبه سلفيّون قبل أشهر في مسقط رأسها في المنصورة، يقدمه بهجوري من رؤى عدة. ليس غريباً إذاً أن يرثي المعرض زمناً فات.





«أمّ كلثوم... مصر التي بخاطري»: حتى 5 أيار (مايو) ـــ «غاليري مشربية» (وسط القاهرة) ــ للاستعلام: +20225784494