القاهرة | المرأة رفيقة حلمي التوني (1934) عبر اللوحات التي أنجزها طوال أكثر من ثلاثة عقود. أخيراً، أطلّ علينا التشكيلي المصري عبر ثلاثين لوحة ضمّها معرضه «خيول ونساء» الذي اختُتم قبل أيام في «قاعة بيكاسو» في حيّ الزمالك في القاهرة. المعرض قدّم شغف الفنان وحفاوته بالجمال من خلال رمزين هما المرأة والحصان. لفنّ التوني خصوصية برموزه المصرية كالهدهد وزهرة اللوتس. استفاد فنان الغرافيك والتصميم المعروف (الأخبار 4/5/2009) من موروث مصري فني، عبّرت عنه الذهنية الشعبية من خلال رسوم الجدران، توثيقاً لمناسبات خاصة كالمولد النبوي والحج، أو لتزيين البيوت الطينية البسيطة. لوحات معارضه المختلفة تحمل بصمتها المصرية، وبهجة لونية تحتفي بالحياة والجمال.

في «خيول ونساء»، قدّم التوني رفيقاً للمرأة هو الحصان. يعتبرهما «أجمل المخلوقات» تجمع بينهما الرقة والرهافة. التقط التوني هذه الصفات وجسّدها في لوحاته. نساء التوني متورّدات جميلات بأجساد ريانة، وعيون واسعة يملأها الاشتهاء كأنها تنظر إلى الناس، أو كأنها في وضع التصوير، فيما تمنح الألوان ديناميكيةً للتفاصيل، وإحساساً بالحياة في اللوحات. عناصر على وشك الانفلات من الأُطر والطيران.
كذلك، استلهمت خيول التوني من نسائها جمال عيونها ورشاقة أجسامها، وذلك الدلال الذي يحيط بها، كأنها على وشك الرقص. خيول بلا فارس تواجه الحياة، أو لعل فارسها هو بطل أعمال التوني: الأنثى.
في إحدى اللوحات، يرسم الفنان امرأة بجناحين على ظهر حصان، في تناغم يُشعرك بأنك في حضرة الحصان الأسطوري المجنح (Unicorn).
لا تشعر بهذا الانفصال بين الجسدين، المرأة بخدود متوردة وفستان أخضر تربّت عنق الحصان، وعيناها تحملان شجناً وتحدّقان في الأبدية. بينما تجد بهجة منفلتة في لوحة أخرى، حيث حصان مجنح يقف على ثلاثة قوائم، وعلى ظهره امرأة واقفة على قدم واحدة كأنها ترقص، أو أنها ترقص بالفعل، ويشاركها الحصان الرقص استعداداً للتحليق.
في إحدى اللوحات، تظهر امرأة بفستان مفتوح عند الصدر تزيّنه قلادة على شكل حصان. وفي لوحة أخرى، تجلس امرأة جميلة، وأمامها حصان صغير على طاولة، مثل لعبة للأطفال، أو تمثال صغير للزينة. ولا يغيب عن التوني تضمين رموزه المفضلة والمعروفة عنه، فالسمكة حاضرة في فستان إحدى رسوماته، والهدهد يطل أحياناً. إنه عالمه الخاص الذي اجتمعت فيه أثر الروح الفرعونية، وأساطير الحكايات الشعبية، فلم تصبح اللوحات «تغريباً» كاملاً، بل هي بنت الأرض المصرية وإليها خرجت.
«خيول ونساء» الذي تأجّل ستّة أشهر «لأنّ الظروف لم تكن مناسبة» حسب التوني، أقيم هذا الشهر «لأنّ صمتي كفنان عن الرد على كل ما يدور في مصر من قمع واضطهاد وتكميم أفواه وكراهية للفن التشكيلي أمرٌ اعتبره خطأ فى حق هذا
الوطن.
لغتي وأدواتي الفنية والوجدانية تشكّل سلاحاً قوياً وقادراً على المقاومة. مصر بلد الإبداع. مصر الضحكة الراقية هذه الأيام. مصر في حالة حزن ودموع تخرج من العيون ولا يحل محلها تفاؤل. مصر في خطر بعد 200 سنة من عصرها الحديث. نحن اليوم في مرحلة جادة، والفن يجب أن يكون ردّه جاداً. الفن
مقاومة».
المقاومة التي يتحدث عنها الفنان الكبير ليست بفجاجة الأعمال ذات الصوت السياسي الزاعق. ثورية المعرض تكمن في تفاصيله الإنسانية، وحفاوته بالمرأة في الوقت الذي تسحل فيه في شوارع الثورة على أيدي مجرمي السياسة، ويتم التحرّش بها تحرّشاً جماعياً.
مقاومة الفنان تتمثّل في الإصرار على تقديم رؤيــته مــن دون إضافات حريفة أو «المشــي مع الموجة». حلمي التوني الذي يرسم كاريكاتور جريدة «الأهرام» ليعبّر عن رؤيته السياسية بلغته التشكيلية الخاصة، يعدّ من أشهر مصممي الكتب والمجلات في الوطن العربي، وقلّما لا تتعرف العين على خطوطه
المميزة.