مجدداً، تحاول ريما خشيش في أسطوانتها الجديدة «هوى ــ موشحات» (الأخبار 25/4/2013) الخوض في غمار التحدي الجميل بالابتعاد عن نمطية التخت الشرقي، ومحاولة تطويع الآلات الغربية، والإفادة منها لخدمة الغناء الشرقي. وإن كان التحدي يثير بعض التوجس لدى المستمع العربي، فإنّ النتيجة التي ظهرت إثر الحفلتين اللتين أقامتهما لإطلاق أسطوانتها في «مسرح بيار أبي خاطر» قبل أيام، جاءت لتؤكد أحقية التحدي حين يكون العمل مدروساً بعناية، وحاصلاً على كل ما يتطلبه من جهد وإيمان به.


بين شعر ابن زيدون، وبهاء الدين زهير، وأمين الجندي، ونور ثابت، وألحان سيد درويش، وعمر البطش، وداوود حسني، ومحمود صبح، وفؤاد عبد الحميد وأعمال أخرى إما مجهولة الشاعر أو مجهولة الملحّن، كانت الآلات تتنقّل بتناغم لافت، مبددةً الحدود الوهمية بين الموسيقى الغربية والصوت المغرق بشرقيّته.
جزء من التحدي أيضاً يبرز باختيار ريما (ليست المرة الأولى) آلة الكونترباص لتكون مرافقاً أساسياً لغنائها، وبالتالي تحضر كبطل رئيس على المسرح، هي المعروفة بأنّها من الآلات التي توضع في خلفية الأوركسترا لتكون الأساس الموسيقي مع آلات أخرى تمتلك ميزة الصوت الغليظ.
وإن كانت آلتا الكونترباص والكلارينيت مع الإيقاع المرافق لهما قد نجحتا في مرافقة الصوت الشرقي، والانسجام معه بما يخلق حالة أقرب إلى الصوفية أبرزت كلمات الموشحات المنتقاة بعناية، فإنّ صوت ريما نجح أيضاً في أن يكون آلة موسيقيّة إضافية (عبر الآهات والليالي) مقدّماً بذلك نموذجاً متقدّماً لمحاكاة الصوت الشرقي للموسيقى التي ينسى المستمع إليها بعد لحظات أنّها غربية.
يضاف إلى كلّ ما تقدّم بطل آخر كان حاضراً في القاعة، ألا وهو الجمهور الذي جاء متعطّشاً، وشغوفاً للاستماع، والإنصات والإصغاء، مستخدماً التصفيق كآلة يتقنها للتعبير عن امتنانه للآلات الأخرى. وقد تبدّى ذلك في التصفيق الذي كان يلي مقاطع الصولو التي قدّمتها الآلات الموسيقية، وكذلك التصفيق الذي يلي كل أغنية ويستمدّ قوّته وحرارته من كمّ النشوة التي أصابته بها الأغنية. وقد برز ذلك جليّاً بارتفاع وتيرة التصفيق بعد موشّح «سلّ فينا اللحظ هنديّا» وموشّح «وجهك مشرق»، وكذلك ارتفاع صوت الآهات في القاعة أثناء الغناء بما يعيد إلى الأذهان صوراً ما راسخة في الذاكرة من حفلات أمّ كلثوم، ما يعني نجاح التجربة ودحض مقولة «الجمهور عاوز كده» التي يحاول الإعلام العربي تسويقها منذ عشرات السنين.
في «هوى»، تعود ريما لتثبت أنّ للفن الأصيل ذوّاقته ومستمعيه المنتمين إلى أجيال مختلفة. وتخطو خطوة جديدة باتجاه هذا الجمهور الذي هرب من التصفيق للزعماء السياسيين ومن التجييش والتحريض، ليستخدم كفّيه لتصفقا لنشوةٍ باتت حاجة أساسية بالنسبة إليه قلّما يحصل عليها. وهو ما دفع به إلى أن يطالب ريما بالعودة للغناء أكثر من مرّة بعد انتهاء البرنامج المقرّر، كأنّه لم يروِ عطشه بعد.