القاهرة | ما زالت قضية أستاذة الأدب الإنكليزي في «جامعة السويس» منى برنس تتفاعل. أثبتت الوقائع أنّ الدعوة إلى «وقفة لطرد منى برنس التي تستهزئ بديننا الإسلامي» (الأخبار ١٥/4/ ٢٠١٣) لم تكن مجرد منشور على الفايسبوك رغم عدم تنفيذها، فوكيل الكلية شاكر رزق تقي الدين منعها من إتمام محاضرتها الثلاثاء الماضي مرتين، مقرراً أن يقوم بالتدريس نيابة عنها من دون أي قرار رسمي.

وبعد تحويلها إلى التحقيق، اتهمت برنس وكيل الكلية «بتنظيم حملة ممنهجة لاستبعادي من أداء عملي كأستاذة جامعية، لا تعتمد على الوسائل التقليدية في الدراسة، وتعتني بفتح نقاش جاد وحرّ مع الطلاب كتدريب أولي على إشاعة جو ديمقراطي يسمح بتطوّر الحريات الأكاديمية المصرية، ويسهم في تنوير وتثوير العقول. لكن يبدو أنّ بعض أعضاء هيئة التدريس يرفضون عودتي إلى الجامعة بتهمة الخروج عن السياق الدراسي المقدم للطلاب» من دون أي إشارة لحدود ذلك السياق.
ومع تأكيدها على أنها بدأت باتخاذ بعض الإجراءات القانونية، كتحرير محضر ضد عميد الكلية لإثبات أنه طلب منها عدم الحضور إلى الجامعة، ومحضر آخر ضد عدد من الطلاب الذين هددوها بالقتل، فقد أعربت برنس عن دهشتها من إحدى الشكاوى التي قدمت ضدها وتتهمها بكتابة عبارات في الفايسبوك «تنتقد فيها موقف العميد وموقف الكلية» حيال الأزمة، ما يعني عدم اكتفاء عاقدي محكمة التفتيش على المحاسبة على حرية الرأي داخل أروقة الجامعة؛ بل على «صفحاتنا الخاصة» في خطوة تبدو أقرب إلى الأجهزة الأمنية منها إلى التعليمية والأكاديمية.
من جهته، نفى وكيل الكلية شاكر رزق تقي الدين وجود أي محاولة للتربص ببرنس، مؤكداً في بيان أصدره أنّ الجامعة ليست طرفاً في الأزمة، ولا علاقة للإدارة بالشكاوى التي تقدم بها الطلاب، مصوّراً الأمر كأنه «خناقة» بين الطلاب وأستاذتهم. وأكد أيضاً على وجود قرار رسمي من مجلس الكلية يمنع برنس من دخول المحاضرات وليس إيقافها عن العمل، متهماً إياها «بالانقطاع عن العمل لمدة ستة أشهر متواصلة».
وكان عدد من المثقفين اكتفوا باستنكار موقف الجامعة من صاحبة «اسمي ثورة» في بيان مقتضب أعربوا فيه عن قلقهم على مستقبل الحريات الأكاديمية، بعد استبعاد أستاذة الأدب الإنكليزي من التدريس من دون قرار رسمي، مؤكدين على تضامنهم الكامل مع برنس، وطالبوا زملاءهم في مصر والعالم العربي والعالم أجمع برفع صوتهم لإدانة هذا النهج الذي يواصل حصار الثقافة والمثقفين في ظل حكم الإخوان. ووقع على البيان أحمد فؤاد نجم، ومحمود الورداني، ومي التلمساني، ومحمد صلاح العزب، ومحمد شعير، ووائل السمري، ونائل الطوخي.
أما بالنسبة إلى موقف منظمات المجتمع المدني المدافعة عن حرية الرأي والتعبير، فقد وصفته برنس بالجيد، خصوصاً «مؤسسة حرية الفكر والتعبير»، و«المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» اللتين أعلنتا عن تضامنهما حتى الآن، وأعربتا عن مخاوفهما من تكرار اتهام الطلبة لأعضاء هيئة التدريس بالإساءة للأديان، والخلط بين مفهوم النص الديني وبين الفكر الديني، الأمر الذي سبق أن حدث مع المفكر الراحل نصر حامد أبو زيد. هكذا، على الرغم من تصديق مصر على بروتوكولات ومعاهدات دولية تخصّ الحريات الأكاديمية، إلا أنّ الجامعات المصرية لا تزال مرتعاً لمحاكم التفتيش التي تفرض قيوداً أمنية ودينية واجتماعية على الباحث الأكاديمي الجاد.




تاريخ طويل من التكفير

يعود تاريخ محاكم التفتيش داخل الأروقة الأكاديمية في مصر إلى أزمة «عميد الأدب العربي» طه حسين عام 1926، بسبب كتابه «الشعر الجاهلي» الذي اتهم فيه «بالطعن الصريح في القرآن ونسب الخرافة إلى الكتاب السماوي». كما اتُّهم كتابه «بإثارة المتذبذبين، والإخلال بالنظم العامة ودعوة الناس إلى الفوضى»، ومن قبله أزمة شيخ الأزهر علي عبد الرازق في كتابه «الإسلام وأصول الحكم». وفي التسعينيات، ظهرت قضية حامد أبو زيد التي حكم فيها بالتفرقة بينه وبين زوجته ابتهال يونس. وكانت القضية قد أثيرت على يد مجموعة من الأكاديميين أبرزهم عبد الصبور شاهين الذي انتهى به المطاف بمعركة مع التيارات الدينية التي كفّرته بسبب كتاب
«أبي آدم».