كعادتها، أرادت قناة «الجديد» الخروج عن المألوف والنمطي في العمل الإعلامي، فحاولت أن تبتدع برنامجاً جديداً، توّظف فيه خطابها السياسي المترافق دوماً مع نقد للطبقة السياسية الحاكمة برمتها، ودعمها لعنصر الشباب والاتكاء على الإيمان بالتغيير والخروج من الطائفية. هذا في الخطاب العام للمحطة، أما في التطبيق، فقد أرادت لوليدها «الزعيم» أن يكون البرنامج الأول من نوعه في العالم العربي وحتى العالم في فكرته، كما روّج القائمون عليه. برنامج يُقال إنّه من تلفزيون الواقع، والواقع يُظهر عكس ذلك تماماً، إذ اكتفى هذا النقل للواقع ببعض الدقائق المولّفة والمُمَنتجة مسبقاً.

أمس، أسدل الستار على «الزعيم» (إشراف مازن لحام، ومديرية الأخبار في المحطة) مستبعداً نيكولا هاروني ومانحاً لقبه للمشتركة مايا ترّو (الصورة) التي لمع نجمها منذ الحلقة الأولى بسبب شخصيتها المختلفة عن زملائها.

ستار جرّ وراءه الكثير من الشوائب في تركيبة البرنامج الذي تلقف هفواته وحتى أموراً أساسية فيه، كالاخراج الذي سلمت دفته الى طوني قهوجي المعروف بلمسته في برنامج «ستار اكاديمي»، بعدما تولى هذا الأمر المخرج سعيد خليل الذي لم يكن مؤهلاً لهذه المهمة. وكما البداية، جاء الختام مع رقصة البداية والدفع الحماسي لمقدّمته داليا أحمد التي كررت المعزوفة عينها وسط تصفيق الجمهور المحتشد في الاستديو. قالت الاعلامية بكثير من الثقة «الكلام الذي قلناه في الزعيم الطالع من الناس والمختلف (..) جئنا لنثبت الحكي بالفعل» عبر تتويج أحد المشتركين لينال لقب «الزعيم».
عشرة أسابيع مضت سبقتها حملة إعلانية ضخمة تشي ببرنامج «فريد من نوعه سيحدث تغييراً في الحياة السياسية اللبنانية» وفي الصناعة التلفزيونية. أما تخصيص حلقات بعد نشرة الأخبار المسائية حيث يُدلي كل مرشّح بدلوه تعليقاً على الأحداث والتطوّرات، فقد بدا مملاً في نهاية المطاف بسبب تكرار الخطاب عينه من مواعظ و«نق» على ما يحدث من دون الخروج بحلول أو أدبيات مختلفة تستقطب الناس. 14 مشتركاً، أضيفت إليهم في اللحظات الأخيرة العارضة ميريام كلينك التي شكلت رافعة للبرنامج حتى قررت الخروج منه طوعاً واكمال الطريق بمفردها في الانتخابات النيابية المقبلة. مشتركون خضعوا لشتى أنواع الاختبارات التي جاء بعضها ارتجالياً كون البرنامج لم يرسم استراتيجية واضحة له منذ البداية. قسّم المشتركون الى فريقين ولم تعرف معايير هذا التقسيم. وراح كل منهما ينافس الفريق المقابل في اختبار التحدي السياسي والتنموي. ومع هذه التحديات، اكتشف المشاهدون وجوهاً أخرى للمشتركين، قد لا تصلح حتى لقيادة نفسها كما حدث مع المشترك علي طالب الذي كشف اللثام عن حقيقته وكيفية تعامله «الوحشي والسوقي» مع النساء، حين ضرب وشتم زميلته رانيا غيث أمام الكاميرات. وجوه أخرى أغرتها الزعامة ولو كانت موقتة ولعلّها فضحت هشاشة ثقافتها السياسية.
في اللحظات الأولى، خابت التوقعات وبدأت أسهم الانتقادات تطال المفهوم الأساسي الذي بني عليه هذا البرنامج وشعاره «لنصنع تاريخاً جديداً». اصطدم المشاهدون ومعهم لجنة التحكيم، بنوعية الخطاب المقدم الذي لم يخرج من خيمة الخطاب السياسي السائد. إضافة الى ذلك، غرق البرنامج في تناقض لم يخرج منه، فافتتح الحلقة الأولى منه تحت جناح رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي ألقى خطاباً أقرب الى الوعظ والتوصيات الأبوية منه الى الواقع والممارسة. ولم تقف المحطة هنا، بل فرشت أجنحتها في الحلقة الاخيرة أول من أمس لرئيس الوزراء المكلف تصريف الأعمال نجيب ميقاتي الذي خاطب بدوره الجمهور بشعارات رنانة مستهلكة. الى هذه المشهدية، يضاف التمجيد بدور المحطة وريادتها من خلال «التطبيل» لها.
أول من أمس، بدا المشهد متناقضاً مع المفاهيم التي روّج لها البرنامج، فوقعت المحطة في فخ الترويج للطبقة السياسية الحاكمة التي يُفترض أن تستبدل بأخرى أكثر كفاءة وقرباً من الناس. هكذا كرّس البرنامج نفسه كمنبر ترويجي للزعامة التقليدية ولخطابها. لم يصنع البرنامج جديداً، وعجز عن تخريج طبقة شبابية تغييرية قادرة على الإصلاح وضخ دماء جديدة في شرايين الحياة السياسية. كذلك، لم يتعدَّ إنتاجه الحد المعقول، كونه اكتفى بالقليل من الإبهار مقارنة بغيره من البرامج المثيلة.