بعد سبع سنوات من البحث والعمل، افتتح ريان تابت (1983) معرضه الفردي الأول «أقصر مسافة بين نقطتين» في «صفير زملر» في بيروت. عام ٢٠٠٧، اكتشف ريان تابت على طريق الجنوب أنبوباً فولاذياً خارجاً من الأرض يتبع لشركة البترول «تابلاين». إكتشاف قاده إلى معرضه الحالي. تأسست «تابلاين» عام ١٩٤٦، بهدف نقل البترول براً عبر أنابيب تمتد من مدينة ظهران السعودية إلى حيفا، ثم في بارجات إلى أميركا. لكنّ تقسيم فلسطين بعد عام ١٩٤٨، أدى إلى إجراء تعديل على إستقامة خط الأنابيب، وتحويله عبر الجولان إلى منطقة الزهراني في جنوب لبنان، بدلاً من حيفا.


معلومات يقدمها ريان تابت في نص على جدار يستقبل زوار المعرض. أما من جهتي الجدار الذي يقسم المعرض إلى فضائين، فقد ثبّت الفنان أوراق ترويسة تابعة لشركة «تابلاين» ضمن أطر خشبية، لتشكل الأوراق خطين مستقيمين يعبران المعرض من أوله حتى آخره. بموازاتها في الفضاء الأول، على الأرض خطّ ثانٍ مؤلف من أسطوانات فولاذية مفرغة بقطر ٧٨ سم، القطر الفعلي للأنابيب. في مقابلها على الحائط، خط آخر مصنوع بعدد كبير من مساطر الطيّ الخشبية (Folding Rulers)، يرسم خطاً مستقيماً على طول الجدار، ثم ينقسم إلى خطين في نهايته، لينحرف الأول صعوداً، فيما يتابع الثاني مستقيماً لكن بلون آخر. يوازيه في الجهة المقابلة على الجدارٍ آلتان لـ «خط الطباشير» مثبتتان جنباً إلى جنب، يخرج من الأولى حبل مستقيم، ومن الثانية حبل أشبه بنصف دائرة، ليصب الإثنان في المنطقة ذاتها. وفي المساحة الخلفية للمعرض، خط مستقيم مؤلف من بطاقات صغيرة ملونة، كُتبت عليها أسماء المدن التي كانت تعبرها الأنابيب، وكانت تستعمل في تسهيل التواصل البريدي في الشركة. أما في الفضاء الثاني، فثلاثة مجسمات ضخمة تستعير الأشكال من الرموز التجارية للشركات المؤسسة لمشروع «تابلاين» دون إسمها: حصان «موبيل»، ونجمة «كالتيكس» والدائرة البيضاوية لـ «إسّو». وفي الزاوية، آلاتان لعرض الشرائح تلقي على الحائط نقطتين من الضوء، تظهران وتختفيان طوال الوقت، مع مرور الشرائح المثقوبة.
سياق شركة «تبلاين» عدّل تاريخ وجغرافية وهندسة الشرق الأوسط. أما على صعيد لبنان، فليس شجر الأرز وقرب الجبل من البحر ولا حتى صوت فيروز العناصر التي صنعت مجد ستيناته بل عائدات ضريبة مرور البترول في أراضيه. أمام سياقات مماثلة غنية في تاريخها المعقد كما إعتدنا في غالبية أعمال الفنانين المعاصرين اللبنانيين، ربط الفنان عمله ربطاً وثيقاً بسياقه الذي يولي العمل الجزء الأكبر من قيمته الفنية. أما في معرض «أقصر مسافة بين نقطتين»، فيمكن قراءة نيّة لدى تابت بعزل أشيائه ومنحوتاته عن سياقها، وتاريخها، لتصبح أشياء مجردة ولكن ذات قيمة فنية بحد ذاتها. يذكر تابت في نصه المفتاح إلى قراءة أعماله «المحطة والمكاتب والمضخات والأنبوب لم تتحول إلى رفاة بل بقيت ودائع حيّة» أعاد إستخدامها ليصل عبرها إلى غايته: عمل فنيّ مجرّد. عملية يمكن قراءة تطوّرها نحو التجريد عبر تسلسل الأعمال المعروضة.
هكذا لجأ تابت أولاً إلى نص مشبّع بأهم تفاصيل سياق شركة «تابلاين»، متّبِعاً الطريقة التقليدية في جذب المشاهد إلى حيثيات القصة. ثم يتخلى كلياً عن النص، حتى إنه يترك أعماله من دون عناوين، بداية تحريرها من سياقاتها. يبدأ برسم الخطوط، بداية عبر الطريقة التقليدية التي تقضي بإحترام الأرشيف، وثائق الشركة، أوراق الترويسة. ثم يعمد إلى نشل العنصر الأهم، الأنابيب من سياقها الممتد على طول ١٢١٣ كلم في الأرض التي يعبرها، ليعيد عرض أجزاء منه صنعها بنفسه، يمثل كل جزء كيلومتراً من الواقع، ويرسم به أيضاً خطاً. أما في الأعمال التالية، فيبدأ برسم الخط الكامل بإنحرافاته الذي يقطعه مسار البترول عبر مساطر الطيّ الخشبية، وحبال خيط الطباشير. خطوط كأنه تم سحب الخارطة من تحتها، لتصبح ممتدة على الحائط. تختفي الشركة، والأنبوب الفولاذي، والجغرافيا إلى أن يمدّ خيط يجمع أقصر مسافة بين نقطتين معلقتين في الهواء، مؤلفاً من بطاقات البريد. بطاقات نزعها كلياً من سياقها الفعلي وعرضها مكدسة، محاكياً سياقها العملي: إذ إنها علامات وصلٍ بين مرسل ومتلق، موقع وموقع.... ومحاكياً سياقها الهندسي، عبر تجريد الخط الأفقي وتحويله إلى نقاط متتالية. تجريد إمتد تأثيره ليطال الشعارات التجارية للشركات الثلاث التي تحولت إلى أشكال لا سياق لها، فاقدةً علاقتها بتمثيل الشركات، بل أصبحت تعوم في الفضاء في خط أفقي، إلى أن نصل إلى العمل الأخير الذي يصل عبره تابت إلى القيمة المجردة للعمل الفني.
إنه العمل الوحيد الذي ينفصل كلياً عن سياق شركة «تابلاين»، وأنابيب النفط، وإنحرافها تارة نحو الزهراني، وطوراً نحو شبه الجزيرة العربية. إنه عمل فني يجسد الفكرة المجردة وراء المعرض، رسم خط بين نقطتين. إذ يرتكز العمل على إلقاء نقطتي ضوء على حائط، تظهران وتختفيان بإيقاع مختلف مع مرور الشرائح.
بذلك، نجح ريان تابت في تجريد عمله من سياق تعود إليه قيمتها الفنية، بل توصّل إلى عمل إنتقل في رسم أقصر مسافة بين نقطتين إلى خارج سياق التاريخ والجغرافيا، وأدخله بُعدَ الخيال مضيفاً إليه بُعداً زمنياً مرتبطاً بإلتقاء النقطتين على الحائط من وقت إلى آخر.
هكذا يقودنا الفنان في معرضه للتخلص من ثقل سياق شركة «تابلاين» مستعيناً بودائعها الحية لإعادة تركيب أعمال تقارب رسماً مجرداً لأقصر مسافة بين نقطتين ضمن إطار يفاوض عبره أساليب معالجة السياقات المعقدة في الفن المعاصر وكيفية تجريدها ونقلها إلى الحاضر. يبقى العمل الأخير الأكثر تجريداً في المعرض، والأقرب إلى الحاضر، علماً أن ذاك الخط المستقيم الذي يظهر في العمل الأخير، لم تشهده يوماً شركة «تابلاين».




«أقصر مسافة بين نقطتين»: حتى 20 تموز (يوليو) ــ «غاليري صفير زملر» (منطقة الجسر، الكرنتينا ـ بيروت) ــ للاستعلام: 01/566550